لماذا تموت ثقافة الابتكار بعد حفل الإطلاق
نجح حفل الإطلاق: حضور كبير ومئات الأفكار. وبعد ستة أشهر لم يتغير شيء. لماذا تقتل فعاليات الإطلاق ثقافة الابتكار، وما الذي ينجح بدلاً منها.

لماذا تموت ثقافة الابتكار بعد حفل الإطلاق
تموت ثقافة الابتكار عادة بعد حفل الإطلاق لأن الحفل يصنع توقعات لا تملك الجهة نظاماً لتلبيتها. تصل مئات الأفكار، ولا يملك أحد الوقت أو الميزانية أو الصلاحية للعمل عليها، ويرى الموظفون مقترحاتهم تختفي. وخلال أشهر يكون الحفل قد علّم الناس عكس ما أراده تماماً: أن الكلام لا يغيّر شيئاً. ما ينجح هو أن تبدأ أصغر، وأن تبني المتابعة قبل الإعلان.
الفكرة كما هي، بإنصاف
المنطق وراء الإطلاق الكبير مفهوم. تغيير الثقافة يحتاج التزاماً مرئياً من القمة. وحفل الإطلاق، سواء كان حملة أفكار أو يوماً للابتكار أو هاكاثوناً، يرسل إشارة بأن القيادة جادة، ويجعل الناس يتحدثون، ويمنح الجميع فرصة للمشاركة. إنه يصنع طاقة، والطاقة تبدو أصعب ما يمكن صناعته.
وفي مقاله الشهير المنشور في هارفارد بزنس ريفيو عام 1995 عن أسباب فشل جهود التحول، يضع جون كوتر (John Kotter) "عدم خلق شعور كافٍ بالإلحاح" في مقدمة الأخطاء. ويبدو حفل الإطلاق إجابة جيدة عن ذلك.
المشكلة في خطأين آخرين يذكرهما كوتر أيضاً: "إعلان النصر مبكراً" و"عدم ترسيخ التغيير في ثقافة المؤسسة". فكثيراً ما يُعامَل الحفل على أنه التغيير نفسه، لا بدايته.
لماذا يسقط في الممارسة
الحفل ينتج أفكاراً أكثر مما تستطيع الجهة معالجته. دعوة مفتوحة للأفكار في جهة تضم بضعة آلاف من الموظفين قد تأتي بمئات المقترحات بسهولة. وعلى أحد أن يقرأها ويقيّمها ويرد عليها ويعمل على أفضلها. وغالباً يكون ذلك فريقاً صغيراً بلا طاقة إضافية. تتراكم المقترحات، وتتأخر الردود، ولا يتلقى معظمها أي رد.
لم يكن هناك طريق من الفكرة إلى التنفيذ. حتى الأفكار الجيدة تحتاج مالكاً، وبنداً في الميزانية، ووقتاً، وإذناً بالتجربة. وإن لم يُتفق على ذلك قبل الإطلاق، فعلى كل فكرة واعدة أن تقاتل وحدها على الموارد في مواجهة الأولويات القائمة، ومعظمها يخسر.
الأفكار لم تكن موجهة نحو شيء. عبارة "شاركنا أفكارك لنصبح أفضل" تستدعي كل شيء، من مواقف السيارات إلى الاستراتيجية. ودون مشكلات مسمّاة تتشتت الأفكار، وتتفاوت جودتها كثيراً، ويصعب تبرير العمل على أي منها.
الصمت يُفهم رفضاً. الموظف الذي قدّم فكرة ولم يسمع شيئاً لا يفترض أن الإجراء بطيء، بل يفترض أن القيادة لم تكن تعني ما قالت. وهذا أخطر ما في الأمر، لأنه يؤكد ما كان المتشككون يعتقدونه أصلاً.
انتباه القيادة ينتقل إلى غيره. في الإطلاق كان الرئيس على المنصة. وبعد ثلاثة أشهر ينشغل بالميزانيات، ويصبح تقرير فريق الابتكار البند الحادي عشر في جدول الأعمال. والموظفون يلاحظون أين يضع القادة انتباههم.
الإطلاق التالي أصعب. كل حملة فاشلة تُضعف مصداقية الحملة التي تليها. والجهات التي أطلقت حملتين أو ثلاثاً تجد أن أكفأ موظفيها لم يعودوا يشاركون.
ما الذي ينجح بدلاً من ذلك
ابنِ المتابعة أولاً، ثم أعلن عنها بتواضع.
- سمِّ عدداً قليلاً من المشكلات قبل أن تطلب الأفكار. من ثلاث إلى خمس، محددة، ولكل منها مالك من القيادات. سؤال مثل "كيف يمكننا أن نقلل مراجعات المستفيد المتكررة لاستكمال المستندات؟" يأتي بأفكار أفضل بكثير من "شاركنا أفكارك".
- اتفق على الطاقة الاستيعابية قبل الإطلاق. حدد كم فكرة تستطيع اختبارها فعلاً في الربع الأول (قد تكون خمساً)، ومن سيختبرها، وكم من الوقت يُخصَّص لها، ومن يعتمد القرار. ولا تدعُ إلى أكثر مما تستطيع التعامل معه.
- التزم بالرد، وأوفِ بالتزامك. كل من يساهم يتلقى رداً خلال مدة محددة، حتى لو كان "ليس الآن، وهذا هو السبب". واستخدم أداة خطة التواصل مع أصحاب المصلحة لتحديد من يسمع ماذا ومتى.
- افرز الأفكار علناً. صنّفها بطريقة بسيطة مرئية مثل مصفوفة الأثر والجهد، وانشر النتيجة. يتقبل الناس عبارة "لم تُختر" أكثر بكثير حين يرون المنطق.
- أظهر النتائج الأولى بسرعة. استهدف أن تعرض شيئاً حقيقياً، نتيجة تجربة أو إجراء تغيّر فعلاً، خلال ثمانية أسابيع. الصغير الحقيقي أفضل من الكبير الموعود.
- ضع الابتكار في جدول الأعمال الثابت. فقرة قصيرة في اجتماع القيادة المعتاد، لا لجنة منفصلة تجتمع حين يتيسر. راجعوا ما اختُبر، وما تعلمتموه، وما أوقفتموه.
- خطط للدورتين الثانية والثالثة قبل نهاية الأولى. استخدم خارطة طريق خفيفة ليرى الناس أن هذا إيقاع مستمر لا حدث عابر. وأجرِ جلسة المراجعة بعد العمل (Retrospective) في نهاية كل دورة وغيّر شيئاً واحداً.
وإن كان لديك إطلاق سابق خفت أثره، فلا تطلق من جديد. عُد إلى من قدّموا الأفكار، واعترف بصدق بما حدث، وأخبرهم بما سيختلف، واعمل على فكرتين أو ثلاث من الأفكار الأصلية أمام الجميع. ترميم الثقة أبطأ من بنائها، لكنه ممكن.
مثال
مثال توضيحي. جهة حكومية في الرياض تقيم "أسبوع الابتكار" بمتحدثين رئيسيين وورش عمل ومنصة إلكترونية للأفكار. تصل أكثر من أربعمئة فكرة. يرسل مكتب الابتكار المكوّن من موظفَين اثنين رداً آلياً على كل فكرة، ثم يستغرق أربعة أشهر في مراجعتها. وحين تُختار القائمة القصيرة من عشر أفكار يكون الوكيل الراعي قد انتقل إلى منصب آخر.
بعد عام تحاول مديرة عامة جديدة من جديد، وبطريقة مختلفة. تسمّي ثلاث مشكلات، منها "المستفيد الذي يراجع لاستلام مستند لا يعرف أن الخدمة متاحة إلكترونياً"، وتسأل مدراء الفروع أيها يريدون العمل عليه. يتطوع ستة فروع. يحصل كل فرع على يوم عمل أسبوعياً من أحد موظفيه لمدة ستة أسابيع، وتلتزم المديرة بمراجعة النتائج في اجتماع الإدارة الشهري.
لا يوجد حفل. أول رسالة للموظفين تعميم قصير يسمّي المشكلات الثلاث والفروع الستة وموعد مشاركة النتائج. وبعد ثمانية أسابيع تعرض نتائج أربع تجارب، منها اثنتان لم تنجحا، وتسمّي الموظفين المشاركين. وفي الدورة الثانية يتطوع اثنا عشر فرعاً دون أي حملة.
أخطاء شائعة
افعل
- ابنِ الطاقة الاستيعابية ومسارات القرار قبل الإعلان.
- اطلب الأفكار في مشكلات مسمّاة، لكل منها مالك من القيادات.
- ردّ على كل مساهم خلال مدة محددة.
- اعرض نتائج حقيقية، ومنها التجارب الفاشلة، خلال شهرين.
- أبقِ الابتكار في جدول أعمال القيادة المعتاد.
لا تفعل
- لا تطلق بحفل كبير ومنصة أفكار مفتوحة لا تملك من يديرها.
- لا تعامل عدد الأفكار المقدمة على أنه مقياس نجاح. (انظر عدد الأفكار أسوأ مؤشر للابتكار.)
- لا تترك المساهمين في صمت أثناء المراجعة.
- لا تسلّم كل شيء لفريق ابتكار صغير ثم تنصرف.
- لا تطلق حملة جديدة لإصلاح حملة فاشلة. رمّم أولاً.
أسئلة يطرحها الناس
لماذا تفشل مبادرات الابتكار؟ نادراً بسبب قلة الأفكار. تفشل لأنه لا توجد طاقة أو ميزانية أو مسار قرار للعمل على الأفكار، ولأن الأفكار لم تكن موجهة نحو مشكلات محددة، ولأن انتباه القيادة ينتقل إلى غيرها بعد الإطلاق.
كيف نحافظ على الابتكار بعد الإطلاق؟ ابنِ إيقاعاً منتظماً: عدد قليل من المشكلات المسمّاة، ودورة ثابتة (من ستة إلى اثني عشر أسبوعاً)، ونتائج مرئية، وفقرة ثابتة في جدول أعمال القيادة. الاستدامة مسألة روتين لا فعاليات. ويغطي الدليل الشامل عن ثقافة الابتكار مجموعة العادات كاملة.
هل نتوقف عن الهاكاثونات وأيام الابتكار؟ لا، إن كانت مرتبطة بنظام يحمل نتائجها إلى الأمام. الهاكاثون مفيد حين يُتفق مسبقاً على المالكين والميزانيات والخطوات التالية. اقرأ لماذا لا يُطلق معظم الفائزين في الهاكاثونات مشاريعهم، ولسلوكيات القيادة التي تُبقي العمل متحركاً 5 أمور يفعلها قادة الابتكار المتميزون.
إلى أين بعد ذلك
لبناء المتابعة: مصفوفة الأثر والجهد للفرز العلني، وخطة التواصل مع أصحاب المصلحة لإبقاء المساهمين على اطلاع، والمراجعة بعد العمل لتحسين كل دورة. والمزيد في جميع الأدوات.