تيراميسو
AR
الثقافة والقيادةالمقال المحوري10 دقيقة قراءة

ثقافة الابتكار: ما هي، وكيف يبنيها القادة فعلاً

ثقافة الابتكار هي ما يفعله الناس حين تصطدم فكرة جديدة بعادة قديمة. تعريفها، وكيف يبنيها القادة أسبوعاً بعد أسبوع، والأخطاء التي تقتلها بصمت.

محررو تيراميسو

ثقافة الابتكار: ما هي، وكيف يبنيها القادة فعلاً

ثقافة الابتكار هي مجموعة العادات التي تحدد مصير أي فكرة جديدة حين تصطدم بالطريقة المعتادة في العمل: هل يجرؤ صاحبها على طرحها، وهل يختبرها أحد بكلفة بسيطة، وهل تتعلم الجهة من النتيجة. والقادة لا يبنونها بعبارات القيم المعلّقة على الجدران، بل بما يسألون عنه ويموّلونه ويكافئونه ويتسامحون معه كل أسبوع. وإن أردت أن تعرف ثقافة جهتك حقاً، فراقب مصير الفكرة الثالثة التي يطرحها موظف مبتدئ خلال شهر، لا الفكرة الأولى.

يرسم هذا الدليل الموضوع كاملاً: ما ثقافة الابتكار وما ليست، ومكوناتها الخمسة، وكيف يبنيها القادة عملياً، وكيف تعرف أنها تعمل، وأين تنكسر عادة. وكل جزء يحيلك إلى مقال أعمق في هذا القسم.

ما ثقافة الابتكار، وما ليست

تصف معظم التعريفات شعوراً عاماً: انفتاح وفضول واستعداد للمخاطرة. هذا الشعور مهم، لكنه نتيجة لا نقطة بداية. أما ما يمكنك رؤيته وتغييره فعلاً فهو السلوك والممارسات اليومية.

تعريف عملي يصلح للاستخدام: ثقافة الابتكار هي الجواب المشترك غير المكتوب عن سؤال: "ماذا سيحدث لي هنا إن جرّبت شيئاً جديداً؟" والناس يجيبون عن هذا السؤال من الوقائع لا من الخطابات. يتذكرون ما حدث لآخر زميل اعترض على إجراء في اجتماع، وأي مشروع تجريبي أُغلق بصمت، ومن تمت ترقيته ومن أُبعد. ويرى إدغار شاين (Edgar Schein)، الذي لا تزال أعماله في الثقافة التنظيمية مرجعاً أساسياً، أن القادة يرسّخون الثقافة أساساً عبر ما يلتفتون إليه ويقيسونه، وطريقة تعاملهم مع المواقف الحرجة، وتوزيعهم للموارد والمكافآت، ومن يختارون ويرقّون. أما الملصقات واللقاءات العامة فتأتي بعد ذلك بمسافة طويلة.

ثقافة الابتكار ليست:

  • إدارة أو وحدة. قد يساعد وجود مختبر أو وحدة ابتكار، لكن إن تعامل باقي الجهة معها كمكان تُرسل إليه الأفكار لتصبح مشكلة غيرهم، فالثقافة لم تتغير.
  • حفل إطلاق. الهاكاثون أو حملة الأفكار تخبر الناس أن الابتكار مرحب به لأسبوع. أما ما يحدث في الأسبوع السادس فيخبرهم إن كان مرحباً به أصلاً. (نتناول ذلك في مقال لماذا تموت ثقافة الابتكار بعد حفل الإطلاق.)
  • فوضى بلا ضوابط. الثقافات الابتكارية القوية منضبطة غالباً: واضحة في المشكلات التي تهمها، وفي طريقة اختبار الأفكار، وفي متى يتوقف العمل.
  • نقيض التميز التشغيلي. تحتاج الاثنين معاً. والمهارة أن تعرف أي عمل يحتاج إلى الثبات والموثوقية، وأيه يحتاج إلى التجربة، وألا تدير أحدهما بقواعد الآخر.

المكونات الخمسة لثقافة الابتكار

الجهات التي تواصل إنتاج خدمات ومنتجات وطرق عمل جديدة تشترك عادة في خمسة أمور، ليس فيها شيء غريب.

1. وضوح في المشكلات التي تستحق الحل. الناس يبتكرون فيما يعتقدون أن القيادة تهتم به. وإن كانت الأولويات ضبابية تشتتت الأفكار في مشاريع شخصية ولم يحظَ أي منها بما يكفي من الاهتمام لينجح. وقائمة قصيرة معلنة بأهم المشكلات التي تريد الجهة حلّها تفعل للثقافة أكثر مما يفعله أي شعار.

2. الأمان في التعبير، حتى مع المسؤول الأعلى. تعرّف إيمي إدموندسون (Amy Edmondson) من كلية هارفارد للأعمال الأمان النفسي (Psychological Safety) بأنه اعتقاد مشترك لدى أعضاء الفريق بأن الفريق بيئة آمنة للمخاطرة في التعامل بين الأشخاص. وقد درس مشروع أرسطو (Project Aristotle) في شركة غوغل 180 فريقاً من فرقها، ووجد أن الأمان النفسي هو الأهم بين خمسة عوامل تميّز الفرق الفعّالة. وفي عمل الابتكار يظهر حين يقول أحدهم "لا أظن أن هذا سينجح" أو "أخطأت في تقديري" دون أن يدفع ثمناً. اقرأ الأمان النفسي في فرق الابتكار لترى شكله في يوم عمل عادي.

3. طرق رخيصة ومعتادة لاختبار الأفكار. تموت الثقافة حين يكون الطريق الوحيد لتجربة أي شيء دراسة جدوى كاملة وانتظار دورة الميزانية. والنمط الصحي مسار صغير وسريع لاختبار الافتراضات: حديث مع عشرة مستفيدين، أو نموذج ورقي، أو نسخة يدوية من الخدمة تُشغَّل أسبوعين. حين يكون الاختبار رخيصاً تصبح الموافقة رخيصة أيضاً.

4. علاقة صادقة مع الفشل. لا نعني الاحتفاء بالفشل، فالموظفون يكشفون زيف ذلك بسرعة، بل التمييز بين أنواعه. تفرّق إدموندسون بين الفشل الذي يمكن تجنبه، وهذا يجب تقليله، والفشل الذكي (Intelligent Failure): الذي يقع في أرض جديدة، سعياً وراء هدف، بعد أن أدّيت واجبك في البحث، وبحجم صغير لا يشكل خطراً. والنوع الثاني هو ثمن التعلم. ويتناول مقال الجميع يقول "افشل بسرعة"، فلماذا لا يفعلها أحد تقريباً الفجوة بين الشعار والممارسة، ويعالج مقال كيف تتحدث عن الفشل في ثقافة تعاقب عليه اللغة المناسبة.

5. تقدير المساهمة، لا الفائزين وحدهم. معظم الابتكار عمل جماعي. وإن ذهب التقدير كله لمن يعرض الفكرة النهائية، توقف الناس عن مشاركة أفكارهم المبكرة غير المكتملة. أما تقدير من صاغ المشكلة، ومن أجرى المقابلات، ومن أوقف خياراً سيئاً مبكراً، فيُبقي المساهمات متدفقة. ومكافأة ذلك دون تحويله إلى سباق نقاط مهارة مستقلة: انظر كيف تكافئ الابتكار دون أن تقتله بمؤشرات الأداء.

كيف يبنيها القادة فعلاً

تتغير الثقافة حين يرى الناس أدلة متكررة على أن القواعد تغيرت. أي سلوك قيادي يتكرر شهوراً. وهذا هو التسلسل الذي ينجح في معظم الجهات:

  1. سمِّ من ثلاث إلى خمس مشكلات تستحق الحل. أعلنها. واجعلها محددة بما يكفي ليبدأ فريق العمل عليها غداً، مثل "تقليص المدة بين تقديم الشكوى وحلها لعملاء المنشآت الصغيرة"، لا عناوين عامة مثل "التمحور حول العميل".
  2. غيّر الأسئلة التي تطرحها في الاجتماعات المعتادة. أضف سؤالين إلى كل اجتماع متابعة: "ما الذي تعلمناه وفاجأنا؟" و"ما الذي نفترضه ولم نختبره بعد؟". الناس يستعدون للأسئلة التي يتوقعونها، وخلال ربع سنة تبدأ الفرق بالحضور ومعها أدلة.
  3. افتح مساراً صغيراً وسريعاً للاختبار. اتفق على أن أي فريق يستطيع أن يخصص وقتاً محدداً، أسبوعين مثلاً، لاختبار فكرة تخدم مشكلة معلنة دون دراسة جدوى. واطلب فقط الافتراض الذي سيُختبر، والنتيجة التي ستغيّر رأيهم. وتكفي أداة خريطة الافتراضات واختبار الفرضية هيكلاً لذلك.
  4. أحسِن التعامل مع أول خبر سيئ. أول مرة يفشل فيها مشروع تجريبي أو يعترف فريق بقرار خاطئ هي "الموقف الحرج" الذي يتحدث عنه شاين. الجميع يراقب. اشكر الفريق على المعلومة، واسأل عمّا تعلموه، وعمّا سيجربونه بعد ذلك. ردّ فعل واحد منصف ومرئي يفعل أكثر من رسائل عام كامل.
  5. أوقف المشاريع علناً. استخدم أداة قائمة التوقف كل ربع سنة. وحين يوقف القادة مشاريعهم المفضلة علناً ويشرحون السبب، يتعلم الناس أن الإيقاف قرار طبيعي لا عقوبة.
  6. احمِ الوقت. إن كان عمل الابتكار يُضاف دائماً فوق عمل كامل، فلن يقوم به إلا أكثر الناس عناداً. تخلَّ صراحة عن شيء مقابله.
  7. رقِّ من أحسن هذا العمل. في النهاية يحدد الثقافةَ من يتقدم. وحين يُرقّى علناً من اختبر وتعلّم وغيّر مساره، تصل الرسالة.
لوحة أداة خريطة الافتراضات
لوحة أداة خريطة الافتراضات

وهناك فئتان ينساهما القادة كثيراً. الأولى المدراء في المستوى الأوسط، الذين يتحكمون بوقت الموظفين ويتحملون غالباً مخاطر الأفكار الجديدة دون أن يُنسب لهم الفضل: انظر المدراء في المستوى الأوسط: المعطِّلون الصامتون، وكيف تكسبهم. والثانية الهرمية نفسها. ففي كثير من جهاتنا في الخليج تعدّ الأقدمية جزءاً من منظومة الاحترام، ومصادمتها تأتي بعكس المطلوب. ويتناول مقال الابتكار في الثقافات الهرمية كيف تعمل معها لا ضدها.

وللجانب الأقل ظهوراً من دور القائد، اقرأ 5 أمور يفعلها قادة الابتكار المتميزون ولا يتحدث عنها أحد وأسبوع قائد الابتكار.

مثال تطبيقي

مثال توضيحي. جهة حكومية خدمية في الرياض أطلقت خلال ثلاث سنوات حملتين لجمع أفكار الموظفين. جمعت كل حملة مئات المقترحات، ولم يُنفَّذ منها شيء يُذكر، وصار الموظفون لا يصدّقون أن الحملة القادمة ستكون مختلفة.

يأتي وكيل جديد للخدمات المشتركة فيجرّب طريقاً آخر. يسمّي أربع مشكلات، منها "المراجع يُطلب منه المستند نفسه أكثر من مرة" و"طلبات الموظفين الداخلية تتأخر عند الإحالة بين الإدارات". ويطلب من كل إدارة أن تختار مشكلة واحدة، ويمنح الفرق أسبوعين لتجربة حل بسيط دون دراسة جدوى. ويضيف إلى اجتماع المتابعة الشهري السؤالين عن المفاجآت والافتراضات غير المختبرة.

تفشل التجربة الأولى: نموذج إحالة موحّد يجعل الإجراء أبطأ. يعرض مدير الإدارة النتيجة بتردد واضح. فيسأله الوكيل عمّا تعلموه، ويتبين أن الموظفين كانوا يتجاوزون النموذج القديم أصلاً ويحيلون الطلبات بالهاتف، وهو أمر لم يكن أحد يعرفه. هذه المعلومة تشكّل التجربة الثانية، التي تنجح. وفي اللقاء العام التالي يروي الوكيل القصة كما هي، ويسمّي الفريق ويذكر الفشل الأول.

بعد ستة أشهر، صارت ثلاث إدارات تحضر اجتماعات المتابعة ومعها تجارب دون أن يطلب منها أحد. لم يتغير شيء في وثيقة القيم. الذي تغيّر هو ما يحدث، أمام الجميع، لمن يجرّب شيئاً.

كيف تعرف أنها تعمل

لا يمكنك عدّ الثقافة مباشرة، وعدد الأفكار مؤشر ضعيف عليها (انظر عدد الأفكار أسوأ مؤشر للابتكار). ابحث بدلاً من ذلك عن علامات في العمل اليومي:

  • الأخبار السيئة تصعد أسرع. تصل المشكلات إلى القيادة خلال أسابيع، لا في نهاية العام.
  • التجارب صغيرة ومتكررة. ترى تجارب كثيرة مدتها أسبوعان بدلاً من مشاريع تجريبية قليلة وضخمة.
  • المشاريع تُوقف. تنتهي بقرار وسجل قصير لما تعلمه الفريق، لا تذبل تدريجياً.
  • المساهمون معروفون بالاسم. حين تنجح مبادرة، يستطيع الناس أن يخبروك من فعل ماذا على الطريق.
  • جلسات المراجعة تغيّر شيئاً. جلسة المراجعة بعد العمل (Retrospective) تنتهي بتغيير أو اثنين محددين، والجلسة التالية تتحقق من تنفيذهما.
لوحة أداة المراجعة الاستعادية
لوحة أداة المراجعة الاستعادية

وهناك ممارسة بسيطة: مرة كل ربع سنة، اسأل عشرة أشخاص من مستويات مختلفة: "ماذا حدث لآخر شخص هنا جرّب شيئاً ولم ينجح؟" إن جاءت الإجابات متسقة ومنصفة، فالثقافة حقيقية.

افعل ولا تفعل

افعل

  • ابدأ بعدد قليل من المشكلات المسمّاة، لا بدعوة مفتوحة للأفكار.
  • اجعل الاختبار أرخص من الجدال. تجربة أسبوعين تحسم معظم النقاشات.
  • تعامل مع أول فشل على أنه اللحظة التي ترسم الثقافة، واستعد له.
  • استخدم أداة التحليل الاستباقي للفشل (Premortem) قبل الإطلاقات الكبيرة، لتُطرح المخاطر وهي لا تزال رخيصة الإصلاح. والأداة من ابتكار عالم النفس غاري كلاين (Gary Klein).
  • قدّر سلسلة المساهمة كاملة، لا من يعرض النتيجة فقط.
لوحة أداة تحليل الفشل قبل وقوعه
لوحة أداة تحليل الفشل قبل وقوعه

لا تفعل

  • لا تطلق بحفل كبير ثم تغيب المتابعة. هذا يعلّم الناس السخرية.
  • لا تقل "افشل بسرعة" بينما تعاقب على الفشل في تقييم الأداء. الناس يصدّقون التقييم.
  • لا تسلّم الابتكار لوحدة واحدة وتنتظر أن تتغير ثقافة الجهة كلها.
  • لا تقِس النجاح بعدد الأفكار المقدَّمة.
  • لا ترتّب الأفراد في مقارنة بعضهم ببعض في الابتكار. هذا يقتل المشاركة والتعاون.
  • لا تتجاهل المدراء في المستوى الأوسط. هم من يقرر إن كان الموظف سيجد الوقت.

أسئلة يطرحها الناس

كم يستغرق بناء ثقافة الابتكار؟ سترى علامات مبكرة خلال ربع أو ربعين إن تغيّر سلوك القيادة باستمرار: مشكلات تظهر أكثر، وتجارب صغيرة أكثر. أما التغيير العميق الذي يصمد بعد تغيّر القائد فيستغرق عادة سنوات، لأنه مرتبط بمن تتم ترقيته.

هل يمكن بناء ثقافة ابتكار في جهة حكومية؟ نعم، والمبادئ نفسها. الفرق عملي: الموافقات أطول، والمخاطر تُقيَّم بشكل أكثر علنية، والهرمية أقوى غالباً. وهذا يجعل التجارب الصغيرة الآمنة والرعاية الواضحة من القيادة العليا أكثر أهمية. ويتناول مقال بدء الابتكار في جهة حكومية: أول 90 يوماً البداية.

ما دور القائد في ثقافة الابتكار؟ أن يجعل تجربة الأشياء آمنة ورخيصة في المشكلات المهمة، وأن يثبت ذلك مراراً عبر ردود أفعاله، وما يموّله، ومن يرقّيه. لا يحتاج القائد إلى أن يكون صاحب الأفكار، بل إلى أن يضمن أن الأفكار الجيدة تنجو حين تلامس الجهة. وإن كنت صاحب الفكرة وتحتاج دعم القيادة، فاقرأ كيف تحصل على دعم القيادة العليا لفكرتك.

إلى أين بعد ذلك

ابدأ بالأدوات التي تغيّر السلوك أسرع. جلسة المراجعة بعد العمل المنتظمة تبني عادة التعلم بصوت مسموع. وخريطة الافتراضات تحوّل الجدال إلى تجارب. والتحليل الاستباقي للفشل يجعل طرح الشكوك مبكراً أمراً آمناً، وقائمة التوقف تجعل الإيقاف أمراً طبيعياً. وتصفّح جميع الأدوات للمزيد.