الابتكار في الثقافات الهرمية: اعمل مع الأقدمية، لا من حولها
كيف تدير الابتكار في جهة تحكمها الأقدمية والتسلسل الإداري: سبع خطوات عملية تجعل الهرمية تحمي الأفكار بدل أن تُسكتها.

الابتكار في الثقافات الهرمية: اعمل مع الأقدمية، لا من حولها
يفشل الابتكار في الجهات الهرمية حين نتظاهر بأن الهرمية غير موجودة. فاستيراد طقوس الفرق المسطّحة كما هي ("كلنا سواسية في هذه القاعة") يُربك كبار المسؤولين ويجعل الموظفين الأحدث أكثر حذراً لا أقل. ما ينجح هو توظيف الأقدمية عن قصد: يحدد كبار المسؤولين السؤال ويملكون القرار، ويُصمَّم ما بينهما بحيث تُطرح الأفكار وتُقيَّم قبل أن يعرف أحد أصحابها.
ماذا تفعل الهرمية بالأفكار
كُتبت أغلب نصائح الابتكار لبيئات يستطيع فيها محلل حديث التعيين أن يقول لمدير عام في اجتماع إن الخطة خاطئة. وفي كثير من جهاتنا، الحكومية والخاصة، ليس هذا شكل الاحترام. وقد سمّى عالم الاجتماع الهولندي خيرت هوفستيد (Geert Hofstede) هذا البُعد "مسافة السلطة" (Power Distance): أي مدى تقبّل الأقل سلطة وتوقّعهم أن تكون السلطة موزعة بشكل غير متساوٍ.
وارتفاع مسافة السلطة ليس عيباً يجب إصلاحه قبل البدء. فله نقاط قوة حقيقية: القرار متى اتُّخذ يتحرك بسرعة، ورعاية المسؤول الأعلى لها وزن، والناس يُتمّون ما اعتمدته القيادة. أما المشكلات فمحددة ومتوقعة:
- تُصفّى الأفكار في طريقها إلى الأعلى. ينقل الناس ما يظنون أن المسؤول يريد سماعه.
- أول رأي من الأعلى يُنهي النقاش. متى تكلم صاحب المنصب الأرفع، اصطف الباقون خلفه.
- الموظف الأحدث لا يعترض علناً. يذهب الخلاف إلى الممرات لا إلى طاولة الاجتماع.
- الفشل شخصي. التجربة الفاشلة تُحسب على من اعتمدها، فلا يعتمد أحد تجارب.
ويمكن تصميم العمل حول كل واحدة منها دون أن يُطلب من أحد التنازل عن مكانته.
سبع خطوات تعمل مع الأقدمية
1. ليملك المسؤول الأعلى السؤال، لا الجواب
اطلب من الراعي أن يصوغ التحدي ويقول أمام الجميع لماذا يهمه. ثم اطلب منه صراحةً ألا يقترح حلاً في القاعة. وتكفي جملة قصيرة منه: "لا أعرف الحل، وأريد أن أسمع ما ترونه أنتم." حين يُعلن صاحب المنصب الأرفع أنه لا يملك الإجابة، يُسمح للآخرين بأن تكون لهم أفكار.
2. ولّدوا الأفكار بصمت وكتابةً
العصف الذهني الشفهي في قاعة هرمية ينتهي بفكرة المدير مكررة بأدب. أما الكتابة الذهنية (Brainwriting) فتغيّر الترتيب: يكتب الجميع أولاً، كلٌّ وحده، قبل أن يتكلم أحد. فتوجد الأفكار على الورق قبل أن تؤثر فيها المكانة. ويشرح مقال الصمت أولاً الطريقة بالتفصيل.
3. افصل الأفكار عن أسماء أصحابها حتى انتهاء التقييم
اجمع الأفكار المكتوبة، واخلطها، واعرضها بلا أسماء. قيّموا أو صوّتوا قبل كشف من اقترح ماذا. وإن استخدمت التصويت بالنقاط (Dot Voting)، فليصوّت كبار المسؤولين أخيراً، أو ليصوّت الجميع في اللحظة نفسها، كي لا يتبع أحد نقاط المدير. ومصفوفة القرار الموزونة بمعايير متفق عليها مسبقاً تساعد أكثر: يختلف الناس حول المعايير لا حول بعضهم.
4. اجعل الاعتراض دوراً، لا تطوّعاً
في البيئة الهرمية، مخالفة المسؤول الأعلى مخاطرة شخصية. فاجعلها مهمة. نفّذ التحليل الاستباقي للفشل (Premortem): "نحن بعد عام، والمشروع فشل؛ لماذا؟" فيصبح البحث عن نقاط الضعف تكليفاً للجميع. أو عيّن "فريقاً أحمر" من شخصين، بالتناوب، مهمتهما في تلك الجلسة إيجاد الخلل. هما ينفّذان ما طُلب منهما، لا يتجاوزان الأدب.
5. مرّر الأخبار السيئة عبر الهيكل، لا عبر الشجاعة
لا تعتمد على موظف حديث ليخبر وكيلاً بأن التجربة تتعثر. ابنِ نقاط مراجعة دورية تُقارَن فيها الأدلة بمعايير حُددت منذ البداية. ولجنة التحدي (Challenge Panel) المكوّنة من مراجعين محترمين ومستقلين تقول ما لا يستطيع عضو الفريق قوله. تأتي الرسالة من الإجراء، فلا تكلّف أحداً مكانته.
6. اجعل دعم القيادة ظاهراً، مبكراً وبحجم صغير
في الجهات الهرمية يراقب الناس ما تفعله القيادة فعلاً. ونصف ساعة يقضيها مسؤول كبير في جلسة اختبار مع مستفيدين حقيقيين أبلغ من كلمة عن الاستراتيجية. اطلب من الرعاة أفعالاً صغيرة ظاهرة: حضور عرض تجريبي، أو طرح سؤال واحد على الفريق، أو اعتماد قرار إيقاف دون لوم.
7. دع الأقدمية تُغلق الدائرة
تُتقن الهرمية أمراً تعاني منه فرق الابتكار كثيراً: أن يثبت القرار. فبعد أن تُولَّد الأفكار وتُقيَّم بإنصاف، أعِد القرار إلى المسؤول المالك مع توصية واضحة وأدلتها. وقراره عندها يحرّك الجهة كلها. هكذا استخدمت الهرمية في الطرفين وحميت المنتصف.
مثال تطبيقي (توضيحي)
طلبت جامعة في الدمام من منسوبيها أفكاراً لتقليص طوابير الطلاب في عمادة القبول والتسجيل بداية كل فصل. عُقدت الجولة الأولى في لقاء مفتوح يرأسه عميد القبول، فجاءت كل الأفكار المطروحة تنويعات على فكرة ذكرها في كلمته الافتتاحية. وقال الموظفون لاحقاً إن لديهم أفكاراً أفضل، لكنهم لم يرغبوا في مخالفته.
أُعيد تصميم الجولة الثانية. افتتحها العميد بثلاث دقائق عن أثر الطوابير على الطلاب، وقال إنه لا يملك الحل، ثم غادر القاعة. استخدمت الفرق الكتابة الذهنية عشرين دقيقة، وطُبعت الأفكار بلا أسماء، وقيّمتها لجنة مختلطة وفق أربعة معايير اعتمدها العميد مسبقاً. وجاءت الفكرة الأعلى تقييماً، وهي نقل تحديث بيانات الطلاب المستجدين إلى نقاط في كليات الطلاب نفسها خلال أسبوع الإرشاد، من موظفة في قسم الأرشيف. عاد العميد، واستمع إلى أفضل خمس أفكار مع أدلتها، واختار اثنتين للتجربة، وأعلن أمام الفريق كله أن صاحبة الفكرة تشارك في قيادة إحداهما.
لم يتنازل العميد عن شيء. حدد السؤال، واعتمد المعايير، واتخذ القرار. كل ما في الأمر أنه غاب عن الجزء الذي يضرّ فيه حضوره.
افعل ولا تفعل
افعل
- أطلِع الراعي مسبقاً على متى يتكلم ومتى يمسك.
- اكتبوا أولاً ثم تحدثوا، في كل جلسة أفكار.
- أخفِ الأسماء حتى تُقيَّم الأفكار.
- اجعل الاعتراض دوراً مسمّى أو تمريناً منظماً.
- أعِد القرار إلى المسؤول المالك مع الأدلة والتوصية.
لا تفعل
- لا تعلن أن "لا رسميات ولا مناصب في هذه القاعة". الجميع يعرف أنها موجودة، والإعلان يزيدهم حذراً.
- لا تجعل المسؤول الأعلى هو من يدير جلسة توليد الأفكار.
- لا تطلب من الموظف الأحدث أن "يتحلّى بالجرأة" ويعترض علناً. غيّر الهيكل لا الشخص.
- لا تنتزع القرار من الراعي لتحمي فكرة. قد تكسب الفكرة وتخسر الراعي.
- لا تخلط بين المجاملة والموافقة. انظر إلى ما يكتبه الناس، لا إلى ما يقولونه فقط.
حين تكون الهرمية هي العائق الحقيقي
أحياناً لا تكون المشكلة في الإجراء، بل في مسؤول بعينه يرفض كل ما لم يصدر عنه. يساعد الهيكل هنا، لكنه لا يحل المسألة كلها. اعمل حينها على العلاقة مع الراعي مباشرة: قدّم أدلة من المستفيدين لا آراء من الموظفين، واربط الأفكار بأهدافه هو المعلنة، وابحث عن راعٍ ثانٍ في المستوى نفسه. ويتناول مقال كيف تكسب دعم القيادة العليا لفكرة هذا الجانب، ويتناول مقال الإدارة الوسطى: المعطّلون الصامتون المستوى الذي تحته.
أسئلة يطرحها الناس
هل يمكن أن تكون الجهات الهرمية مبتكرة؟ نعم. الهرمية تُبطئ توليد الأفكار إن تُركت دون تصميم، لكنها تُسرّع القرار والتبنّي. احمِ مرحلتي التوليد والتقييم من أثر المكانة، تصبح الهرمية ميزة في مرحلة القرار.
كيف أشجع الموظفين على طرح أفكارهم أمام مديريهم؟ لا تطلب منهم أن يتكلموا أولاً. اطلب من الجميع كتابة أفكارهم منفردين، واجمعها بلا أسماء، وناقش الأفكار لا الأشخاص. يشارك الموظفون أكثر حين لا يُربط اسمهم بالفكرة قبل تقييمها.
هل يحضر المدير ورشة الابتكار؟ يحضر الافتتاح ليصوغ السؤال، ويعود للقرار. أما توليد الأفكار بينهما، فغيابه أو صمته يُنتج أفكاراً أفضل في الغالب.
إلى أين بعد ذلك
للجلسة نفسها ابدأ بـالكتابة الذهنية والتحليل الاستباقي للفشل، وللتقييم استخدم مصفوفة القرار الموزونة، وللمراجعة المستمرة لجنة التحدي. وللصورة الأشمل اقرأ ثقافة الابتكار: ما هي، وكيف يبنيها القادة فعلاً.