"نحتاج إلى إدارة ابتكار أولاً". لماذا لا تحتاج
هل يجب إنشاء إدارة للابتكار قبل البدء؟ غالباً لا. لماذا تفشل هذه القناعة في الواقع، وما الهيكل الأخف الذي ينجح بدلاً منها.

"نحتاج إلى إدارة ابتكار أولاً". لماذا لا تحتاج
لا، لا تحتاج إلى إدارة ابتكار قبل أن تبدأ. تحتاج إلى مشكلة تستحق الحل، وراعٍ صاحب صلاحية، وفريق صغير له وقت محمي، وطريقة بسيطة لتقرير الخطوة التالية. الإدارة قد تأتي لاحقاً، حين تعرف ما العمل الذي ستحمله. أما إن أُنشئت أولاً، فغالباً ما تصبح مكتباً ينتظر تكليفاً.
القناعة كما هي، بإنصاف
حجة "الإدارة أولاً" ليست ساذجة. تقول: الابتكار مسؤولية الجميع، وبالتالي هو عملياً مسؤولية لا أحد. دون وحدة مخصصة لا يوجد بند ميزانية، ولا وظائف، ولا مساءلة، ولا رسالة واضحة من القيادة بأن الأمر مهم. والإدارة تجعل الابتكار مرئياً في الهيكل التنظيمي، وتمنحه مقعداً على الطاولة، وتحميه من أن يسحقه العمل اليومي.
وفي كل ذلك جزء من الصحة. الوضوح والمساءلة والحماية مهمة فعلاً. الخطأ هو افتراض أن الإدارة هي الطريق الوحيد إليها، أو الطريق الأول.
لماذا تفشل في الواقع
تفصل الفكرة عن مالكها. معظم الابتكار ذي القيمة في جهة قائمة يغيّر شيئاً تديره إدارة أخرى: خدمة، أو إجراء، أو منتج. حين تولّد إدارة منفصلة الأفكار، يكون من سيتبنونها غائبين عن الغرفة. فيتحول التسليم إلى تفاوض، ولدى الإدارة المستقبِلة كل الأسباب لتقول "ليس الآن". يرى فيجاي غوفينداراجان وكريس تريمبل (Govindarajan & Trimble) في كتابهما "الوجه الآخر للابتكار" (The Other Side of Innovation) أن مبادرات الابتكار تحتاج إلى شراكة بين فريق مخصص والمنظمة القائمة التي يسميانها "محرك الأداء" (Performance Engine). والإدارة المعزولة التي تتجاوز هذه الشراكة هي بالضبط ما يحذّران منه.
تعفي الآخرين من المسؤولية. ما إن توجد إدارة ابتكار حتى يصبح من المنطقي أن يقول مديرو الإدارات الأخرى إن الابتكار "شغلهم". فتنتهي إدارة الابتكار إلى طلب الوقت والوصول من إدارات لا تملك عليها أي صلاحية.
تقدّم التكلفة على الدليل. الإدارة تحتاج إلى مدير وموظفين ومكان وميزانية قبل أن تُظهر نتيجة واحدة. وهذا يجعلها هدفاً سهلاً في أول دورة ميزانية متقشفة؛ فالوحدات التي تُبنى قبل أن تُثبت شيئاً كثيراً ما تكون أول ما يُقلَّص. ويتناول مقال خمسة أسباب لإغلاق مختبرات الابتكار في سنتها الثانية هذا النمط بالتفصيل.
ترسم الهيكل قبل أن تعرف العمل. لا يمكنك تصميم وحدة جيدة قبل أن تعرف ما ستفعله: إدارة تحديات، أم دعم الفرق بالأدوات، أم إدارة محفظة مبادرات، أم بناء الشراكات، أم غير ذلك. ولكل منها كفاءات مختلفة. الجهات التي تبني أولاً توظف غالباً بملف عام اسمه "ابتكار"، ثم تكتشف أن ما تحتاجه فعلاً هو تيسير الورش، أو حوكمة المحفظة، أو تعاقد التجارب.
المعايير لا تشترطها. إن كانت الحجة هي الامتثال، فارجع إلى النص. معيار ISO 56002، وهو المعيار الإرشادي لأنظمة إدارة الابتكار، يطلب من الإدارة العليا تحديد المسؤوليات والصلاحيات، ويسمح صراحة بإسنادها إلى القيادات والإدارات القائمة، إلى جانب الأدوار المخصصة. الإدارة المستقلة خيار من الخيارات، لا شرط مسبق.
ما الذي ينجح بدلاً من ذلك
ابدأ بهيكل خفيف يحقق الأمور الثلاثة التي تعد بها الإدارة (الوضوح، والمساءلة، والحماية) دون أعبائها.
- راعٍ معروف بالاسم. مسؤول واحد من القيادة يملك النتيجة، ويحمي وقت الفريق، والتزم بالتصرف بناءً على ما يُكتشف.
- فريق عمل صغير من الإدارات التي تملك المشكلة. من ثلاثة إلى ستة أشخاص، بدوام جزئي، بضع ساعات أسبوعياً لكل منهم. من سيطبّق الطريقة الجديدة هو من يصممها.
- نقطة قرار واضحة. اتفقوا مسبقاً على متى وكيف ستقررون الاستمرار أو التعديل أو التوقف. تكفي لجنة مراجعة (Challenge Panel) قصيرة تضم الراعي وصوتاً أو صوتين من خارج الفريق.
- أدوار مكتوبة. مصفوفة RACI في صفحة واحدة للجهد الأول: من يقرر، ومن ينفذ، ومن يُستشار، ومن يُبلَّغ. تزيل معظم احتكاك "هذا شغل من؟" الذي كان يُفترض أن تحله الإدارة.
- سجل لما جربتموه. احتفظوا بسجل بسيط للمبادرات والقرارات والدروس. بعد دورتين أو ثلاث، ستخبرك خريطة المحفظة (Portfolio Map) المبنية على هذا السجل بنوع الوظيفة المركزية التي تحتاجها فعلاً، إن كنت تحتاج إلى واحدة.
ثم بعد ستة إلى اثني عشر شهراً، اطرح سؤال الإدارة من جديد، ومعك الدليل. قد تجد أنك تحتاج إلى فريق مركزي صغير من شخصين أو ثلاثة يدرّبون ويجمعون الأطراف، لا إلى إدارة "تملك" الابتكار. وقد تجد أن مراجعة دورية للمحفظة تكفي. وقد تجد أن حجم العمل المتكرر يبرر وحدة مستقلة، وعندها ستعرف بالضبط ما يجب أن تفعله.
مثال توضيحي
مثال توضيحي. بنك في الرياض يريد "أن يأخذ الابتكار بجدية". المسودة الأولى للخطة تقترح إدارة ابتكار يرأسها مدير عام ومعه أربعة موظفين.
يطلب رئيس قطاع العمليات بداية مختلفة. يرعى بنفسه مشكلة واحدة: طول مدة فتح حسابات المنشآت الصغيرة. يتشكل فريق من خمسة أشخاص من خدمة العملاء والامتثال والعمليات، يمنح كل منهم نصف يوم أسبوعياً. يتفقون على مصفوفة RACI في صفحة واحدة، وعلى اجتماع قرار في الأسبوع الثامن.
في الأسبوع الثامن يكونون قد اختبروا قائمة مستندات مبسطة مع عشرين عميلاً من خلال موظف واحد، وعدّلوا خطوة تحقق واحدة في فرع واحد بالتنسيق مع الامتثال. يقرر رئيس القطاع تعميم التعديل على فرعين آخرين. وخلال الدورتين التاليتين يلاحظ أن الفرق تحتاج دائماً إلى الأمور نفسها: من ييسّر الجلسات، ومن يدير اجتماعات القرار، وسجلاً مشتركاً. وهذا ما يموّله: ميسّر بدوام كامل، ومراجعة ربع سنوية للمحفظة. لا إدارة كاملة.
افعل ولا تفعل
افعل
- ابدأ براعٍ، وفريق بدوام جزئي، ومشكلة واحدة.
- ضع من سيطبّقون التغيير في الفريق الذي يصممه.
- اكتب الأدوار ونقطة القرار قبل البدء.
- أعد طرح سؤال الهيكل بعد ستة إلى اثني عشر شهراً، ومعك الدليل.
لا تفعل
- لا تعيّن رئيساً للابتكار قبل أن تعرف ما تتضمنه الوظيفة.
- لا تنشئ وحدة يعتمد نجاحها على حسن نية الإدارات الأخرى ثم لا تمنحها أي صلاحية.
- لا تستشهد بمعيار سبباً لإنشاء إدارة دون أن تقرأ ما يطلبه فعلاً.
- لا تعتبر خانة جديدة في الهيكل التنظيمي دليلاً على الالتزام. الدليل هو الوقت المحمي والنتائج التي يُتصرَّف بناءً عليها.
أسئلة يطرحها الناس
هل يجب أن يكون في الجهة إدارة مخصصة للابتكار؟ أحياناً، وفي مرحلة لاحقة. الوحدة المخصصة منطقية حين يوجد حجم ثابت من العمل الابتكاري المتكرر، مثل إدارة التحديات أو المحفظة، لا تستطيع بقية الجهة استيعابه. ونادراً ما تكون منطقية خطوةً أولى.
من يملك الابتكار إن لم توجد إدارة له؟ راعٍ من القيادة معروف بالاسم يملك نتيجة كل مبادرة، والإدارات التي تقدّم الخدمة المتأثرة تملك التغيير. ويمكن لدور تنسيقي صغير، بدوام جزئي في البداية غالباً، أن يحفظ السجل ويدير اجتماعات القرار.
ما الفرق بين فريق الابتكار وإدارة الابتكار؟ الفريق يتشكل حول مشكلة، ويضم عادة أشخاصاً من الإدارات التي تملكها. أما الإدارة فوحدة دائمة لها وظائفها وميزانيتها. الفريق أرخص في البداية وأقرب إلى التبني، والإدارة توفر الاستمرارية حين يُفهم العمل. ولمقارنة أوسع بين الهياكل، اقرأ مختبر الابتكار أم مركز التميز أم وحدة الابتكار.
إلى أين بعد ذلك
لبناء الهيكل الخفيف، استخدم مصفوفة RACI للأدوار، وخريطة أصحاب العلاقة لمعرفة من يجب إشراكه، وجلسة المراجعة الاسترجاعية بعد كل دورة. وللشهر الأول كاملاً اقرأ من أين تبدأ الابتكار في فريقك، وإن كنت في القطاع الحكومي فاقرأ بدء الابتكار في جهة حكومية: أول 90 يوماً.