تيراميسو
AR
الثقافة والقيادةتصحيح مفهوم7 دقيقة قراءة

تحفيز الابتكار ومكافأته دون أن تقتله مؤشرات الأداء

لماذا يأتي ربط الابتكار بمؤشرات الأداء الفردية والجوائز المالية بنتيجة عكسية، وماذا تقول الأبحاث، وكيف تقدّر عمل الابتكار بطريقة تدوم.

محررو تيراميسو

تحفيز الابتكار ومكافأته دون أن تقتله مؤشرات الأداء

الفكرة السائدة بسيطة: ما يُقاس يُنجَز، فلنضع الابتكار في مؤشرات أداء كل موظف ونكافئ النتائج. لكن ما يحدث فعلاً أن المستهدفات الفردية للابتكار تُنتج أعداداً من الأفكار ومشاريع آمنة وتلاعباً صامتاً بالأرقام، وأن الجائزة المالية "لأفضل فكرة" تعلّم الناس التنافس على الجائزة لا حل المشكلة. ما ينجح هو مكافأة السلوكيات التي تجعل الابتكار ممكناً، وتقدير الإسهام علناً وبتحديد، وإبقاء الأرقام الصلبة على مستوى المحفظة لا على مستوى الفرد.

الفكرة كما يطرحها أصحابها

حجة مؤشرات الابتكار ليست ساذجة. فالجهات تقيس ما تقدّره، وإن كان الابتكار أولوية استراتيجية ولا يُقيَّم عليه أحد، فسيتأخر خلف الأعمال التي تُقيَّم. والقيادات تريد العدل أيضاً: من بذل جهداً إضافياً في أفكار جديدة ينبغي أن يُحسب له ذلك في تقييم الأداء. وفي الجهات الحكومية خصوصاً، هناك ضغط لإثبات أن إدارة الابتكار تُنتج شيئاً.

فيصير المنطق: أعطِ كل موظف أو إدارة مستهدفاً (عدد الأفكار المقدَّمة، أو المشاريع المنجزة، أو الوفورات المحققة)، واربطه بتقييم الأداء، وأضف جوائز لأفضل النتائج، وسيتبع الجهدُ ذلك.

لماذا يفشل هذا في الواقع

المستهدف يشوّه ما يقيسه. لاحظ الاقتصادي البريطاني تشارلز غودهارت (Charles Goodhart) هذا عام 1975 في سياق السياسة النقدية، ثم صاغته عالمة الأنثروبولوجيا مارلين ستراثرن (Marilyn Strathern) بالعبارة المتداولة: حين يصبح المقياس هدفاً، يكفّ عن أن يكون مقياساً جيداً. ضع "عدد الأفكار لكل موظف" تحصل على أفكار كثيرة رقيقة. وضع "عدد المشاريع المنجزة" فيختار الناس مشاريع يعرفون أنها ستُنجز. وضع "الوفورات المحققة" فيختفي العمل الجريء غير المضمون، مع أن عدم اليقين هو جوهر الابتكار.

المستهدف الفردي يعاقب النتيجة الصادقة. ينتهي كثير من عمل الابتكار الجيد بعبارة: "اختبرناها فلم تنجح، فأوقفناها." فإن كان تقييم الفرد يعتمد على إطلاق ناجح، صارت هذه النتيجة خسارة شخصية. ويتصرف الناس بمنطق: يتجنبون الاختبارات التي قد تفشل، أو يُبقون المشاريع الضعيفة حية بعد انتهاء جدواها. ويتعمق مقال لماذا لا يفشل أحد بسرعة في هذه النقطة.

المكافأة المالية المشروطة قد تُضعف الدافع الذي تحتاجه. حلّل إدوارد ديسي وريتشارد كوستنر وريتشارد رايان (Deci, Koestner & Ryan) عام 1999 نتائج 128 تجربة في دراسة نُشرت في مجلة Psychological Bulletin، فوجدوا أن المكافآت المادية المتوقعة تميل إلى إضعاف الدافع الذاتي في المهام الممتعة، بينما تميل التغذية الراجعة الإيجابية إلى تقويته. والمهام المخبرية ليست ابتكاراً في جهة عمل، والنقاش العلمي لم يُحسم، لكن الاتجاه يستحق أن يتوقف عنده كل من يصمم نظام حوافز. فالابتكار يعتمد كثيراً على أن يختار الناس الذهاب أبعد من الوصف الوظيفي.

الجوائز تصنع فائزاً واحداً وخاسرين كثيرين. جائزة "أفضل فكرة" بفائز واحد تقول لتسعة فرق إن عملها لم يُحسب. وهي تكافئ العرض التقديمي لا المتابعة، لأنها تُمنح قبل أن يُختبر أي شيء.

الابتكار نتيجة فريق. يكاد لا يوجد ابتكار هو عمل شخص واحد. والمستهدفات الفردية تدفع الناس إلى ادعاء الملكية وحجب المساعدة، وهذا عكس ما يحتاجه العمل.

ما الذي ينجح بدلاً من ذلك

1. قِس المحفظة، لا الشخص

احتفظ بالأرقام الصلبة، لكن ضعها في المستوى الصحيح. تستطيع شجرة مؤشرات الأداء (KPI Tree) أن تربط الابتكار بنتائج تهم الجهة (وقت يوفَّر على المستفيدين، أو كلفة تُتجنَّب، أو خدمات جديدة تُتبنّى)، وتُسندها إلى البرنامج أو المحفظة. وتعمل الفرق نحوها عبر الأهداف والنتائج الرئيسية (OKRs) غير المرتبطة بالرواتب. ولا يُخصم من تقييم أحد لأن اختباراً واحداً فشل.

لوحة أداة شجرة مؤشرات الأداء (شجرة المحركات)
لوحة أداة شجرة مؤشرات الأداء (شجرة المحركات)

2. قيّم السلوكيات في تقييم الأداء، لا النتائج

إن كان للابتكار مكان في تقييم الأداء، فقيّم ما يملكه الشخص: هل اختبر افتراضاته قبل التوسع؟ هل شارك ما لم ينجح؟ هل ساعد فريقاً آخر؟ هل جاء بأدلة من المستفيدين؟ هذه أمور تُلاحَظ وتوصف. فاكتبها أمثلةً، لا درجات.

3. كافئ التعلّم، حتى من العمل الذي أُوقف

قدّر الفريق الذي أجرى اختبار فرضية (Hypothesis Test) محكماً وأوقف مشروعاً مبكراً، فوفّر على الجهة عاماً من الإنفاق. قل ذلك علناً، وسمِّ ما تعلّموه. فإن كانت القصص الوحيدة التي تحتفي بها القيادة هي قصص الإطلاق، سيتعلم الناس أن الإيقاف فشل.

4. قدّر بتحديد وعلى الملأ

التقدير المحدد يفوق المديح العام. عبارة "شكراً على جهودكم" لا تعني كثيراً. أما "مقابلات نورة مع موظفي الفترة المسائية غيّرت تصميم أداة جدولة المناوبات" فتعني الكثير، وتقول للجميع كيف يبدو العمل الجيد. وقد وجدت أبحاث تيريزا أمابايل وستيفن كريمر (Amabile & Kramer) عن "مبدأ التقدّم" (The Progress Principle، 2011) أن إحراز تقدم في عمل ذي معنى هو أقوى ما يجعل يوم العمل يوماً جيداً، ولذا يصل التقدير المرتبط بتقدم حقيقي أعمق بكثير من الجائزة.

5. اجعل الفرصة هي المكافأة

كثير من المبتكرين يقدّرون أكثر ما يقدّرون فرصة فعل المزيد: قيادة الاختبار التالي، أو العرض أمام القيادة العليا، أو الانضمام إلى تحدٍّ مشترك بين الجهات، أو وقتاً لتطوير فكرة. كلفتها قليلة، وأثرها في الدافعية كبير، وتبني القدرات في الوقت نفسه.

6. إن دفعت، فادفع متأخراً وللفريق كله

إن أرادت جهتك تقديراً مالياً، فاربطه بالقيمة المتحققة بعد التطبيق، واستخدم دراسة قيمة (Value Case) متفقاً عليها مسبقاً، ووزّعه على كل من أسهم، بمن فيهم موظفو التشغيل الذين يديرون الخدمة الآن.

مثال تطبيقي (توضيحي)

أضافت جهة حكومية في الرياض إلى بطاقة الأداء السنوية لكل موظف مستهدف "تقديم فكرتين ابتكاريتين في السنة". في السنة الأولى قفز عدد الأفكار المقدَّمة، وكان أغلبها طلبات صغيرة (طابعة جديدة، أو تعديل في ساعات الدوام)، وقضى فريق الابتكار أشهراً في فرزها. ولم يُختبر منها إلا القليل جداً.

في السنة الثانية ألغت الجهة المستهدف الفردي. وصار لكل إدارة هدف واحد على مستوى الفريق مرتبط بنتيجة في تجربة المستفيد، لا بالمكافآت. وتضمّن تقييم الأداء فقرة قصيرة يصف فيها المدير مثالاً واحداً على اختبار الموظف أو مشاركته أو مساعدته في عمل تحسيني. وكل ربع سنة، كتب وكيل الجهة مذكرة قصيرة معلنة يسمّي فيها ثلاثة أعمال وما تغيّر بسببها، ومنها مشروع أُوقف بعد اختبار دام أسبوعين.

انخفض عدد الأفكار المقدَّمة، وارتفع عدد الأفكار المختبرة، وكذلك الأفكار القادمة من إدارات تعمل معاً. وقال الموظفون إن المذكرات الفصلية عنت لهم أكثر مما عناه المستهدف القديم.

أخطاء شائعة

  • عدّ الأفكار. أسهل رقم وأقلها فائدة. انظر مقال عدّ الأفكار أسوأ مؤشر للابتكار.
  • ترتيب الأشخاص أو الفرق في مقارنة ببعضهم. يحوّل الزملاء إلى متنافسين ويقتل المشاركة.
  • الدفع مقابل العرض التقديمي. المكافأة قبل أي اختبار تكافئ الإلقاء لا النتائج.
  • الاحتفاء بالإطلاقات وحدها. يعلّم الناس أن إيقاف مشروع ضعيف فشل.
  • إغفال من يشغّل الخدمة. فريق التشغيل الذي يتبنى الخدمة الجديدة ويحافظ عليها يستحق التقدير بقدر من صممها.

أسئلة يطرحها الناس

هل يجب أن يكون الابتكار جزءاً من تقييم الأداء الوظيفي؟ يمكن ذلك، إن قيّمت سلوكيات يملكها الشخص (الاختبار، والمشاركة، والمساعدة، والإتيان بالأدلة) ووصفتها بأمثلة. وتجنّب المستهدفات الفردية القائمة على النتائج، مثل عدد الأفكار أو عدد الإطلاقات.

كيف أكافئ الموظفين على أفكارهم الابتكارية؟ قدّر الإسهامات المحددة علناً، وامنح فرصاً لقيادة الخطوة التالية، وإن كان هناك مال، فادفعه بعد التطبيق وبناءً على القيمة المتحققة، ووزّعه على الفريق كله.

ما مؤشرات الأداء الجيدة للابتكار؟ على مستوى المحفظة: نتائج للمستفيدين، والوقت حتى قرار مبني على اختبار، ونسبة المشاريع التي أُوقفت مبكراً بناءً على أدلة، والتبنّي من قِبل التشغيل. وتجد مجموعة أشمل في مقال كيف تقيس الابتكار.

إلى أين بعد ذلك

استخدم شجرة مؤشرات الأداء لمقاييس المحفظة، والأهداف والنتائج الرئيسية لتوجيه الفرق، وجلسة المراجعة المنتظمة لإظهار التعلّم الذي يستحق التقدير. وللإطار الأشمل اقرأ ثقافة الابتكار: ما هي، وكيف يبنيها القادة فعلاً.