تيراميسو
AR
مختبر الابتكارالمقال المحوري10 دقيقة قراءة

ما هو مختبر الابتكار، ولماذا تفشل معظم المختبرات

ما هو مختبر الابتكار فعلاً، وأنواعه الأربعة، وما يحتاجه ليستمر، والأسباب المتكررة التي تُغلق معظم المختبرات خلال سنوات قليلة. دليل عملي.

محررو تيراميسو

ما هو مختبر الابتكار، ولماذا تفشل معظم المختبرات

مختبر الابتكار (Innovation Lab) فريق صغير محمي، لديه تفويض واضح بأن يأخذ المشكلات المعقدة التي لا تحلها الإجراءات المعتادة، فيختبر لها حلولاً جديدة بتكلفة قليلة، ثم يسلّم ما ينجح منها لمن سيشغّله. المختبر طريقة عمل قبل أن يكون مكاناً. ومعظم المختبرات تفشل لأسباب قليلة متكررة: لا أحد يملك ما تنتجه، وتقيس نشاطها بدل القرارات التي ساهمت فيها، ولا تخطط أبداً لتسليم عملها إلى الإدارات التشغيلية.

يرسم هذا الدليل الموضوع كاملاً: ما المختبر وما ليس مختبراً، وأنواعه، وما يفعله أسبوعاً بأسبوع، ولماذا يُغلق كثير منها، وكيف تبني مختبراً يبقى. وكل قسم يحيلك إلى مقال أعمق في هذا المحور.

ما هو مختبر الابتكار، وما الذي ليس مختبراً

إذا نزعت عن المختبر الجدران الزجاجية والأثاث الملون، يبقى له خمسة أركان:

  1. التفويض. وثيقة مكتوبة تحدد المشكلات التي يعمل عليها المختبر، ومن يرعاه، وما القرارات التي يتخذها دون الرجوع لأحد.
  2. فريق أساسي صغير. عادة من ثلاثة إلى ثمانية أشخاص، يجمعون مهارات البحث وتيسير الورش وصنع النماذج الأولية، ويعرفون الجهة بما يكفي ليكون كلامهم مسموعاً.
  3. منهجية. طريقة مشتركة قابلة للتكرار للانتقال من المشكلة إلى حل مختبَر: صياغة التحدي، والتعلم من المتأثرين، وتوليد البدائل، واختبار أخطر الافتراضات، ثم القرار.
  4. قائمة تحديات. مشكلات حقيقية يأتي بها أصحابها، تُختار عن قصد لا بحسب من يرفع صوته أكثر.
  5. طريق للعودة إلى التشغيل. اتفاق واضح على كيف تتحول الفكرة المختبَرة إلى بند في ميزانية أحدهم وإلى مهمة في وصفه الوظيفي.

أما ما ليس مختبراً:

  • ليس مبنى. المكان يساعد، لكنه آخر ما تحتاجه. كثير من المختبرات الفعالة بدأت في قاعة اجتماعات مستعارة. نفصّل ذلك في مختبر ابتكار بلا مبنى.
  • ليس إدارة أفكار. إذا صار المختبر هو المكان الذي تُرسل إليه الأفكار "للدراسة"، توقفت بقية الجهة عن التفكير.
  • ليس وحدة بحث وتطوير. البحث والتطوير (R&D) ينتج معرفة تقنية جديدة. أما المختبر فيعيد في الغالب تركيب ما هو موجود في خدمات وإجراءات وسياسات جديدة، ويختبر هل سيستخدمها الناس.
  • ليس صالة عرض. إذا كان أهم ما يقدمه المختبر هو استقبال الوفود الزائرة، فهو أداة علاقات عامة، وسيُقيَّم ويُلغى على هذا الأساس.

الأنواع الأربعة للمختبرات

تختلف المختبرات أساساً في من تخدم وماذا يُنتظر منها. ومعرفة النوع الذي تبنيه تحسم كثيراً من الخلافات اللاحقة.

النوع الغرض الرئيس المخرج المعتاد الخطر الأكبر
مختبر حكومي أو مختبر سياسات إعادة تصميم الخدمات والسياسات حول المستفيد مفاهيم خدمات مختبَرة، بدائل سياسات، نماذج أولية تغيّر القيادات وإعادة الهيكلة
مختبر ابتكار مؤسسي استكشاف منتجات أو خدمات أو نماذج أعمال جديدة مفاهيم مُتحقق منها، تجارب، مشاريع ناشئة البعد عن العمل الأساسي للجهة
مختبر تصميم خدمات إصلاح رحلات المستفيدين القائمة وإعادة تصميمها خرائط رحلة، مخططات خدمة، خدمات معاد تصميمها التحول إلى "وكالة تصميم" لبقية الإدارات
مختبر بناء قدرات تعليم الجهة كيف تبتكر فرق مدرَّبة، أدوات، مشاريع مصحوبة بالإرشاد التحول إلى كتالوج دورات تدريبية

للمختبرات الحكومية أطول تاريخ. فمختبر MindLab الدنماركي، الذي يُذكر عادة بين أوائل مختبرات الابتكار الحكومية، تأسس عام 2002 تابعاً لوزارة الاقتصاد والأعمال، ثم صار مشتركاً بين عدة وزارات، وأُغلق في الأول من مايو 2018 حين استبدلت به الحكومة فريق عمل أصغر يركز على التحول الرقمي. الدرس هنا واضح: بقاء المختبر لا يتوقف على جودة عمله بقدر ما يتوقف على أن يظل رعاته يرونه حلاً لمشكلتهم الحالية.

إذا كنت تبني مختبراً داخل وزارة أو هيئة، فاقرأ كيف تؤسس مختبر ابتكار في جهة حكومية. وإن كنت لا تعرف أصلاً هل تحتاج مختبراً أم مركز تميز أم وحدة ابتكار، فاقرأ مختبر الابتكار أم مركز التميز أم وحدة الابتكار.

ماذا يفعل المختبر فعلاً، أسبوعاً بأسبوع

يتخيل الناس المختبر مكاناً لتوليد الأفكار طوال الوقت. والواقع أن معظم العمل صياغةٌ وبحثٌ واختبار. والإيقاع الصحي يشبه هذا:

  1. الاستقبال. يأتي صاحب مشكلة بتحدٍ. يتحقق المختبر: هل هي مشكلة حقيقية ومهمة وغير محلولة، وهل هناك من يلتزم بتبنّي الحل؟ كثير من الطلبات يُعتذر عنها أو يُحوَّل في هذه المرحلة، وهذا أمر صحي. يتعمق مقال كيف تختار أول تحديات المختبر في هذه الخطوة.
  2. الصياغة. يعيد الفريق كتابة الطلب على شكل تحدٍ يستحق الحل، غالباً بسؤال كيف يمكننا (How Might We)، ويرسم المتأثرين به في خريطة أصحاب المصلحة.
  3. التعلم. مقابلات وملاحظة ميدانية ومراجعة بيانات مع من يعيشون المشكلة يومياً. هذه أكثر خطوة تُختصر، وأكثر خطوة تغيّر الجواب.
  4. البدائل. توليد عدة استجابات ممكنة، لا حلٍّ واحد مفضل مسبقاً.
  5. الاختبار. كشف أخطر الافتراضات بأداة خريطة الافتراضات، ثم إجراء اختبار فرضية رخيص قبل أن يبني أحدٌ شيئاً.
  6. القرار. الاستمرار أو التعديل أو التوقف، يتخذه صاحب المشكلة والدليل أمامه.
  7. التسليم. ينتقل الحل المختبَر إلى الفريق الذي سيشغّله، ومعه الأشخاص والميزانية والمعرفة اللازمة. انظر من المختبر إلى التشغيل.
لوحة أداة أسئلة «كيف يمكننا»
لوحة أداة أسئلة «كيف يمكننا»

المختبر الذي يعمل جيداً قد يحمل من ثلاثة إلى ستة تحديات في الوقت نفسه، كل منها في مرحلة مختلفة، إلى جانب طلبات إرشاد أصغر. وإن كان فريقك موزعاً بين مدن أو يعمل بنظام هجين، فالإيقاع نفسه ممكن، ويشرح ذلك الابتكار مع فرق موزعة وهجينة.

لماذا تفشل معظم مختبرات الابتكار

لا توجد إحصائية عالمية موثوقة عن نسبة بقاء المختبرات، فاحذر ممن يذكر لك رقماً قاطعاً. لكن الممارسين ودراسات الحالة المنشورة يتفقون على أنماط متكررة، نفصّلها في 5 أسباب تُغلق بسببها مختبرات الابتكار في سنتها الثانية. باختصار:

  • يرحل الراعي. كان المختبر فكرة مسؤول واحد، فلما انتقل لم يشعر أحد غيره بأنه يخصه.
  • لا أحد يملك المخرجات. ينتج المختبر مفاهيم مختبَرة، لكن لا إدارة ملزمة بتبنيها، فيتراكم عمل جيد بلا استخدام.
  • يُخلط النشاط بالقيمة. التقارير تعدّ الورش المنعقدة والأفكار المجموعة والزيارات المستقبَلة. وحين تضيق الميزانية لا يشرح أي من هذه الأرقام لماذا يجب أن يبقى المختبر.
  • يبتعد المختبر عن المشكلات الحقيقية. تُختار التحديات لأنها مثيرة أو تصلح للصور، لا لأنها تهم من يموّل المختبر.
  • لا يُصمَّم التسليم. تنجح تجربة، ثم تبقى معلّقة لأن أحداً لم يخصص ميزانية لتوسيعها.

لاحظ أن لا شيء من هذا يتعلق بالإبداع أو بالمنهجية. نادراً ما يموت المختبر لأن أفكاره ضعيفة. يموت لأن الجهة من حوله لم تُهيَّأ أصلاً لاستقبال ما يصنعه.

كيف تبني مختبراً يبقى

هذه الممارسات تفرّق عادة بين المختبرات التي ما زالت تعمل بعد خمس سنوات وتلك التي أُغلقت:

  1. اكتب التفويض قبل أن توظف. صفحة واحدة: أي مشكلات، ومن الراعي، وما صلاحيات القرار، وما الذي لن يفعله المختبر.
  2. راعيان لا راعٍ واحد. مسؤول تنفيذي رفيع يمنح الصلاحية، وقائد تشغيلي يضمن التبني. إن غادر أحدهما حمل الآخر المختبر.
  3. اختر تحديات لها أصحاب. لا تقبل تحدياً دون شخص مسمّى يقرر في النتيجة ويشغّلها إن نجحت.
  4. أبلغ عن القرارات لا عن النشاط. كل ربع سنة، اذكر القرارات التي اتُّخذت بسبب عمل المختبر: خدمات تغيّرت، ومشاريع أوقفت، وأموال وُفّرت أو أعيد توجيهها. واستخدم خريطة المحفظة لإظهار توزيع العمل على المراحل.
  5. خطط للتسليم من يوم الاستقبال. اسأل من اليوم الأول: من سيشغّل هذا إن نجح، وماذا سيحتاج؟ واستخدم قائمة التحقق للإطلاق حتى لا يُرتجل شيء في النهاية.
  6. ابنِ القدرات أثناء العمل. أشرك موظفين من فريق صاحب المشكلة في كل تحدٍ. مع الوقت يصبحون أقوى المدافعين عن المختبر، ويكفّ المختبر عن أن يكون صندوقاً مغلقاً.
  7. تواضع في المكان. أنفق أولاً على الأشخاص وميزانية الاختبار. فإن أثبت المكان قيمته لاحقاً فوسّعه. بعض العمل يستفيد فعلاً من لوحات مطبوعة على الجدار، كما يشرح المطبوع والملموس: متى تنتمي لوحة العمل إلى الجدار، لكن ذلك لا يحتاج مبنى استعراضياً.
لوحة أداة خريطة محفظة المبادرات
لوحة أداة خريطة محفظة المبادرات

ما يجب وما لا يجب

افعل

  • اتفق كتابةً على الغرض من المختبر وما يعنيه النجاح بعد سنة.
  • اعتذر عن التحديات التي لا صاحب لها أو لا أثر لها، أو حوّلها لجهة أنسب.
  • اعرض المشاريع التي أوقفتها مكسباً: "لا" مبكرة ورخيصة توفر على الجهة مالاً.
  • أبقِ الفريق الأساسي صغيراً واستعن بالمتخصصين لكل تحدٍ.
  • اجعل كل نتيجة قابلة للتتبع: من جاء بالمشكلة، ومن ساهم، وماذا تقرر.

لا تفعل

  • لا تبدأ بحفل افتتاح وقاعة تحمل الشعار قبل اختيار أول تحدٍ.
  • لا تقِس المختبر بعدد الأفكار أو الورش.
  • لا تسمح بأن يصبح المختبر المكان الذي ترسل إليه الإدارات المشكلات التي تتجنبها.
  • لا تُطلق تجارب بلا طريق متفق عليه إلى الميزانية والتشغيل.
  • لا تعامل المختبر كأنه دائم بحكم وجوده. اكسب التجديد كل سنة بالدليل.

مثال توضيحي

توضيحي: جهة متخيَّلة، لعرض النمط فقط.

أنشأت جهة حكومية خدمية في الرياض مختبراً بعد تكرار شكاوى المستفيدين من طول إجراءات أحد التراخيص. رعاه وكيل الجهة، وسُمّي مدير إدارة الخدمات راعياً مشاركاً منذ البداية. ضم المختبر أربعة موظفين، وعمل من قاعة اجتماعات في الدور الثالث.

لم يكن التحدي الأول "تطوير التراخيص"، بل سؤالاً أضيق جاء به مدير الخدمات: كيف يمكننا تقليل عدد الطلبات التي تُعاد للمستفيد لنقص المستندات؟ قضى الفريق أسبوعين يراقب مكاتب الاستقبال ويقابل المستفيدين وموظفي المراجعة. تبيّن أن السبب الأكبر ليس النظام، بل قائمة المستندات المطلوبة المكتوبة بلغة إدارية مربكة.

اختبر الفريق ثلاث صيغ جديدة للقائمة مع عدد من المستفيدين قبل أن يُعدَّل أي نظام. ظهرت صيغة واحدة أوضح بكثير لدى المختبَرين. ولأن مدير الخدمات كان يملك التحدي من أوله، دخلت الصيغة الجديدة الإجراء المعتاد خلال الربع نفسه، وتولى فريقه تشغيلها.

ذكر التقرير الربعي الأول للمختبر قراراً واحداً اتُّخذ، وإجراءً واحداً تغيّر، وفكرتين أوقفتا بعد الاختبار. هذا التقرير، لا القاعة، هو ما جدّد ميزانية المختبر.

أسئلة يطرحها الناس

ما الفرق بين مختبر الابتكار وإدارة البحث والتطوير؟ البحث والتطوير يُنتج معرفة تقنية جديدة، غالباً على مدى سنوات. أما مختبر الابتكار فيعمل في الغالب بما هو موجود، فيعيد تركيبه في خدمات أو إجراءات أو سياسات جديدة، ويختبر بسرعة هل سيستخدمها الناس. كثير من الجهات تحتاج الاثنين، لكن لا ينبغي الخلط بينهما.

كم موظفاً يحتاج مختبر الابتكار؟ الشائع فريق أساسي من ثلاثة إلى ثمانية. والأهم أن يجمع هذا الفريق مهارات البحث والتيسير وصنع النماذج، وأن يتكلم لغة الجهة، وأن يستعير متخصصين وموظفين من الفرق صاحبة المشكلة في كل تحدٍ.

متى تظهر نتائج مختبر الابتكار؟ توقع أول القرارات المبنية على عمل مختبَر خلال ثلاثة إلى ستة أشهر إذا أُحسن اختيار التحديات. أما النتائج الأكبر، كخدمة معاد تصميمها تعمل على نطاق واسع، فتحتاج عادة سنة أو أكثر لأنها تعتمد على التسليم إلى التشغيل.

إلى أين بعد ذلك

ابدأ بالأدوات الأهم في أشهر المختبر الأولى: كيف يمكننا لصياغة التحديات، وخريطة الافتراضات لكشف ما قد يُسقط الفكرة، واختبار الفرضية للتحقق منها بتكلفة قليلة، وقائمة التحقق للإطلاق لمرحلة التسليم. وكل مقال في هذا المحور يتعمق في جزء من الصورة: تأسيس مختبر في جهة حكومية، ومختبر بلا مبنى، ولماذا تُغلق المختبرات، والمختبر أم مركز التميز أم وحدة الابتكار، ومن المختبر إلى التشغيل، واختيار التحديات، والفرق الموزعة، واللوحات المطبوعة. وتجد الأدلة الخمسة والسبعين كلها في دليل الأدوات.