تيراميسو
AR
الأدواتتصحيح مفهوم7 دقيقة قراءة

العصف الذهني لا ينجح كما تظن. وهذا ما ينجح فعلاً

العصف الذهني الجماعي ينتج أفكاراً أقل وأكثر تحفظاً مما ينتجه الأفراد منفردين. لماذا يحدث ذلك، وخمسة بدائل تعطيك أفكاراً أكثر وأفضل.

محررو تيراميسو

العصف الذهني لا ينجح كما تظن. وهذا ما ينجح فعلاً

العصف الذهني بصورته المعتادة، حين يطرح الحاضرون أفكارهم بصوت عالٍ ويكتبها أحدهم على اللوح، ينتج في الغالب أفكاراً أقل وأكثر تحفظاً مما كان سينتجه الأشخاص أنفسهم لو عمل كل منهم وحده. والحل ليس التخلي عن توليد الأفكار جماعياً، بل تغيير الترتيب: فكّر وحدك وبصمت أولاً، ثم ابنِ على أفكار زملائك، ثم ناقش. وهذا بالضبط ما تفعله أدوات مثل الكتابة الذهنية (Brainwriting) وثمانية في ثمانية (Crazy 8s).

الاعتقاد كما هو، بإنصاف

انتشر مصطلح العصف الذهني (Brainstorming) على يد أليكس أوزبورن، وهو رجل إعلانات أمريكي، وأشهر كتبه في ذلك «الخيال التطبيقي» (Applied Imagination) الصادر عام 1953. قواعده ما زالت معلقة على جدران قاعات الورش: أجّل الحكم، اطلب الكمية، رحّب بالأفكار الجامحة، ابنِ على أفكار غيرك. والوعد أن المجموعة التي تلتزم بهذه القواعد تنتج أفكاراً أكثر بكثير مما ينتجه أفرادها منفصلين.

ولهذا الاعتقاد جذور حقيقية. الناس فعلاً يستلهمون من بعضهم. والجلسة الجيدة تبعث الحماس، ويخرج الفريق منها وهو يشعر أن النتيجة نتيجته. وحين يقول مدير «خلّونا نسوي عصف ذهني» فهو غالباً يقصد «لنفكر معاً»، وهذه رغبة صحية. المشكلة في الشكل نفسه، لا في الرغبة في التعاون.

لماذا يفشل في الواقع

بدأ الباحثون اختبار ادعاء أوزبورن منذ أواخر الخمسينيات، وجاءت النتائج متسقة. ففي عام 1987 راجع الباحثان مايكل ديل وفولفغانغ شتروبه الدراسات السابقة وأجريا تجاربهما الخاصة، ووجدا أن «المجموعات الاسمية»، أي العدد نفسه من الأشخاص يعمل كل منهم منفرداً ثم تُجمع أفكارهم، تتفوق في عدد الأفكار على مجموعات العصف الذهني التفاعلية. وأشارت تجاربهما إلى سبب رئيسي:

انسداد الإنتاج (Production blocking). لا يستطيع التحدث إلا شخص واحد في كل مرة. وأثناء انتظار دورك تنسى فكرتك، أو تعدّلها، أو تقرر أنها لم تعد تناسب اتجاه النقاش. وكلما كبر عدد الحاضرين ساء الأمر.

وتضاف في أي جهة حقيقية قوتان أخريان:

  • الخوف من التقييم. قاعدة «أجّل الحكم» مكتوبة على الجدار، لكنها ليست شعوراً في القاعة. الموظفون يراقبون وجه المدير. وفي الفرق ذات التسلسل الإداري الواضح، كثيراً ما يصمت الموظفون الأحدث حتى يتكلم الأقدم، ثم يوافقونه.
  • التكاسل الاجتماعي ومجاراة الآخرين. في المجموعة يرتاح بعض الناس ويتركون غيرهم يعمل، ويجاري آخرون، دون وعي، إيقاع أبطأ المشاركين. فتستقر الجلسة عند مستوى جهد مريح ومشترك.

وهناك مشكلة رابعة شائعة قلّما تظهر في الدراسات المخبرية: الارتكاز على أول فكرة. أول فكرة تُقال بصوت عالٍ ترسم الإطار. فإذا كان الاقتراح الأول «تطبيق جوال»، جاءت الأفكار العشر التالية تطبيقات في الغالب.

والنتيجة مشهد مألوف: أربعون دقيقة، ولوح ممتلئ، وقائمة يسيطر عليها صوتان أو ثلاثة من أكثر الحاضرين ثقة، وأفكار كان معظمها واضحاً قبل أن تبدأ الجلسة.

ما الذي ينجح بدلاً منه

القاسم المشترك بين كل البدائل التالية بسيط: افصل توليد الأفكار عن مناقشتها، واحمِ الدقائق الأولى من التفكير من تأثير المجموعة.

  1. الكتابة الذهنية (Brainwriting). يكتب كل شخص أفكاره بصمت، ثم يمرر الورقة لزميله، فيبني الزميل على ما يراه. أشهر صيغها 6-3-5 التي نشرها بيرند روهرباخ عام 1968: ستة أشخاص، ثلاث أفكار لكل منهم، خمس دقائق لكل جولة. تحصل على ميزة «البناء على أفكار الآخرين» التي أرادها أوزبورن، دون أن ينتظر أحد دوره في الكلام. راجع دليل الكتابة الذهنية.
  2. الكتابة الفردية الصامتة ثم المشاركة بالدور. هذا جوهر أداة المجموعة الاسمية (Nominal Group Technique) الذي طوّره أندريه ديلبيك وأندرو فان دي فين: عشر دقائق منفرداً، ثم يشارك كل شخص فكرة واحدة في دوره، دون أي نقاش حتى تصبح كل الأفكار على الجدار.
  3. ثمانية في ثمانية (Crazy 8s). اطوِ الورقة إلى ثماني خانات وارسم ثماني صيغ في ثماني دقائق. انتشرت هذه الأداة عبر منهجية سباق التصميم (Design Sprint) من Google Ventures، وهي تدفع المشاركين إلى تجاوز فكرتهم الأولى، التي تكون عادة فكرة الجميع الأولى. راجع دليل ثمانية في ثمانية.
  4. أسوأ فكرة ممكنة. اطلب حلولاً سيئة عمداً، ثم اقلبها. تخفف هذه الأداة الخوف من التقييم، فلا أحد يُحرج من فكرة سيئة حين تكون الفكرة السيئة هي المطلوب. راجع دليل أسوأ فكرة ممكنة.
  5. التوليد الموجّه. أعطِ المشاركين عدسة بدل الورقة البيضاء: أداة سكامبر (SCAMPER)، أو تشبيهات من قطاع آخر، أو مجموعة أسئلة «كيف يمكننا». الورقة البيضاء تستدعي البديهي، والقيد يستدعي المحدد.
لوحة أداة توليد الأفكار كتابة
لوحة أداة توليد الأفكار كتابة

بعد ذلك فقط، صنّف الأفكار باستخدام التجميع بالتشابه وابدأ النقاش. النقاش مهم، لكنه في العصف الذهني التقليدي يأتي في المكان الخطأ.

افعل ولا تفعل

افعل

  • ابدأ كل جولة أفكار بخمس دقائق على الأقل من الكتابة الفردية الصامتة.
  • حدّد السؤال بدقة قبل توليد أي فكرة. السؤال الغامض ينتج أفكاراً غامضة مهما كانت الأداة. نتناول ذلك في مقال كيف تكتب بيان المشكلة.
  • اطلب من صاحب المنصب الأعلى أن يشارك أفكاره أخيراً، أو اجمع الأفكار دون أسماء.
  • اجعل التوليد والتقييم في فقرتين منفصلتين، ويفضل أن تفصل بينهما استراحة.
  • احسب الأفكار من الجميع، لا من المتحدثين فقط.

لا تفعل

  • لا تبدأ بسؤال القاعة كلها «عندكم أفكار؟». أول إجابة ستصبح نقطة الارتكاز.
  • لا تدع الميسّر يكتب الأفكار التي فهمها فقط. اطلب من صاحب الفكرة أن يكتبها بنفسه.
  • لا تعقد جلسة مفتوحة لأربعين دقيقة. الجولات القصيرة المحددة بوقت أفضل من الجلسات الطويلة المفتوحة.
  • لا تحكم على الجلسة بمقدار حيويتها، بل بعدد الاتجاهات المختلفة التي وصلت إلى الجدار.
  • لا تصوّت مباشرة بعد التوليد. دع الأفكار تُجمّع وتُوضّح أولاً، واختر طريقة التصويت بعناية (راجع لماذا يخدعك التصويت بالنقاط).

مثال توضيحي

مثال توضيحي. أرادت إدارة خدمة المستفيدين في جهة حكومية سعودية تقديم أفكار لتقليل عدد المراجعين الذين يحضرون إلى الفرع بمعاملات ناقصة فيُطلب منهم العودة. عقدت أول جلسة بصيغة العصف الذهني المعتادة مع اثني عشر موظفاً. تحدث مدير الإدارة أولاً قائلاً «نرسل رسالة نصية بالمتطلبات»، فخرجت الساعة بنحو عشرين فكرة، معظمها صيغ مختلفة لرسائل التذكير.

في الجلسة الثانية حضر الأشخاص أنفسهم، وأعيدت صياغة السؤال إلى: «كيف يمكننا أن نجعل المراجع يعرف قبل أن يغادر بيته أن معاملته مكتملة؟». كتب كل شخص وحده سبع دقائق، ثم أجرت المجموعة ثلاث جولات من الكتابة الذهنية، وشارك المدير أفكاره في النهاية.

صار الجدار يحمل أفكار اثني عشر شخصاً بدل أربعة. وظهرت اتجاهات لم يذكرها أحد في المرة الأولى: قائمة تحقق قصيرة يملؤها المراجع بنفسه عند حجز الموعد، ومكالمة قصيرة من موظف الاستقبال لمن يحجز للمرة الأولى، وتنسيق مع الجهة التي تصدر أحد المستندات المطلوبة لتختصر خطوة على المراجع. وبعد التجميع اختار الفريق فكرتين للنمذجة. لم يتغير الأشخاص، تغيّر ترتيب التفكير فقط.

أسئلة يطرحها الناس

هل العصف الذهني غير فعال فعلاً، أم أن هذه خرافة أيضاً؟ الأبحاث متسقة في أن العصف الذهني الجماعي الشفهي غير المنظم ينتج أفكاراً أقل مما ينتجه الأشخاص أنفسهم حين يعملون منفردين ثم تُجمع أفكارهم. لكن العمل الجماعي يظل مفيداً للبناء على الأفكار وتوضيحها وصناعة الملكية المشتركة. ضعه بعد التفكير الفردي، لا بدلاً منه.

ما الفرق بين الكتابة الذهنية والعصف الذهني؟ في العصف الذهني يقول الناس أفكارهم بصوت عالٍ واحداً تلو الآخر. وفي الكتابة الذهنية يكتبونها بصمت وفي الوقت نفسه، ثم يمررونها ليبني عليها غيرهم. الجميع يساهم في آن واحد، فلا ينتظر أحد، ويُسمع صوت الهادئ بقدر صوت الواثق.

كيف أدير عصفاً ذهنياً صامتاً عن بُعد؟ اعرض السؤال نفسه على الجميع في مساحة مشتركة، واضبط مؤقتاً من خمس إلى عشر دقائق، واطلب من المشاركين إضافة ملاحظاتهم دون قراءة ملاحظات الآخرين في البداية. ثم افتح اللوحة للجميع، ودعهم يبنون على ما يرونه في جولة ثانية، وبعدها فقط صنّفوا وناقشوا.

إلى أين بعد ذلك

ابدأ بدليلَي الكتابة الذهنية وثمانية في ثمانية، وحدّد سؤالك أولاً بأداة كيف يمكننا. ولمزيد عن سبب البدء بالصمت، اقرأ الصمت أولاً: لماذا تأتي أفضل الأفكار قبل النقاش. ولاختيار الأداة المناسبة لكل موقف، راجع أي أداة ابتكار أستخدم؟.