كيف تجمع الوزارات والجهات التنظيمية قطاعاً حول تحدٍّ واحد
كيف تجمع وزارة أو جهة تنظيمية قطاعاً كاملاً حول تحدٍّ واحد: اختيار المشكلة، وفتح البيانات، واختبار الأنظمة في بيئة تجريبية، وتعميم ما ينجح.

كيف تجمع الوزارات والجهات التنظيمية قطاعاً حول تحدٍّ واحد
تنجح الوزارة أو الجهة التنظيمية في جمع قطاع ما حين تختار مشكلة واحدة لا تستطيع شركة أو جهة واحدة حلها، وتستخدم مكانتها لجمع الأطراف المناسبة، وتقدّم ما لا تستطيع غير الحكومة تقديمه (بيانات، مرونة تنظيمية، أن تكون أول عميل، معياراً مستقبلياً واضحاً)، وتلتزم مسبقاً بالعمل بما ينجح. للجهات الحكومية ميزة فريدة هنا: حين تدعو يحضر الجميع. وهذه الميزة نفسها هي الخطر الأكبر، فالتحدي الذي ينتهي بالكلمات دون تغيير يعلّم القطاع كله ألا يستجيب مرة أخرى.
يتناول هذا المقال دور الجهة الجامعة تحديداً. وللصورة الأوسع اقرأ ابتكار المنظومة، ولفعالية واحدة محددة المدة تملكها عدة جهات اقرأ هاكاثون المنظومة.
ما تملكه الحكومة ولا يملكه غيرها
تستطيع شركة أن تطلق تحدياً، وكذلك هيئة قطاعية أو غرفة تجارية. لكن الجهة الحكومية تملك أدوات لا يملكها غيرها، وينبغي أن يستخدم التحدي واحدة منها على الأقل:
- القدرة على الجمع. المتنافسون يجلسون في قاعة واحدة إن دعت الوزارة.
- البيانات. كثيراً ما تملك الحكومة الصورة الوحيدة الكاملة للقطاع: السجلات والتراخيص والتفتيش والتدفقات.
- الأنظمة. تستطيع الجهة التنظيمية أن توضّح نظاماً أو تعدّله أو تخففه مؤقتاً ليُختبر نهج جديد بأمان. و"البيئة التجريبية التشريعية" (Regulatory Sandbox) أشهر صوره؛ وقد أطلق البنك المركزي السعودي (ساما) بيئته التجريبية لشركات التقنية المالية عام 2018، وأطلقت هيئة الحكومة الرقمية بيئة تجريبية تنظيمية لشركات التقنية الحكومية عام 2021.
- الشراء. تستطيع الحكومة أن تكون أول عميل، وهذا للحل الجديد قد يكون أهم من أي جائزة.
- المعايير. الإشارة إلى ما سيُطلب مستقبلاً تعطي القطاع سبباً للاستثمار الآن.
إن لم يستخدم تحديك أياً من هذه، فاسأل هل يحتاج أصلاً إلى أن تقوده جهة حكومية.
خطوات جمع القطاع
- اختر مشكلة تخص القطاع لا جهتك وحدها. التحدي الجيد هو الذي يقع سببه عبر أطراف كثيرة: هدر الغذاء على امتداد سلسلة الإمداد، أو التأخير في رحلة ترخيص، أو فجوة مهارات في صناعة كاملة. ارسم خريطة المنظومة (Ecosystem Map) للقطاع حول هذه المشكلة قبل أي إعلان. وإن كان إجراء جهتك هو السبب الرئيسي، فأصلحه داخلياً أولاً.
- استمع إلى القطاع قبل أن تصمم التحدي. قابل شريحة متنوعة: شركات كبيرة وصغيرة، وشركات ناشئة، وممثلين عن المستفيدين، وجهات حكومية أخرى. اسألهم أين تقع المشكلة فعلاً وما الذي يمنعهم من حلها. وخريطة أصحاب المصلحة (Stakeholder Map) تُظهر من يملك التأثير ومن يتأثر؛ احرص على أن تُسمع المنشآت الصغيرة لا الكبيرة وحدها.
صُغ تحدياً واحداً بنتيجة قابلة للقياس. استخدم شجرة المشكلة (Problem Tree) للاتفاق على السبب، ثم اكتب سؤال كيف يمكننا (How Might We) واحداً ونتيجة واحدة يعرفها القطاع: "تقليص المدة من تقديم الطلب إلى إصدار الترخيص للمنشأة الغذائية الصغيرة إلى النصف". تحدٍّ واحد لكل دورة. الوزارة التي تطلق خمسة تحديات معاً لا تُنجز غالباً أياً منها.
حدد ما ستضعه الحكومة على الطاولة. كن صريحاً: أي البيانات ستُفتح وكيف، وأي الأنظمة يمكن اختبارها بطريقة مضبوطة وبأي ضمانات، وهل هناك التزام بالشراء للحلول الناجحة، وأي معيار أو سياسة قد تتبع. هذا العرض هو ما يجعل القطاع يأخذ التحدي بجدية.
ضع قواعد مشاركة عادلة وشفافة. انشر من يحق له المشاركة، وكيف تُقيّم الحلول، وما الدعم المقدم، وما مصير الملكية الفكرية والبيانات، وكيف يُعالج تعارض المصالح. وفي القطاعات الخاضعة للرقابة، يحتاج المشاركون إلى ضمان بأن مشاركتهم لن تُستخدم ضدهم في الرقابة.
نفّذه على مراحل. الشكل الشائع: دعوة مفتوحة، ثم قائمة مختصرة، ثم فترة تطوير أو اختبار ببيانات حقيقية أو في بيئة مضبوطة، ثم قرار. واستخدم خريطة طريق (Roadmap) تعرض المراحل والمواعيد علناً، والتزم بها.
اختبر في البيئة الحقيقية مع ضمانات. الغاية من التحدي القطاعي أن تتعلم ما ينجح فعلاً. امنح الحلول المختارة اختباراً مضبوطاً: مجموعة محدودة من المستفيدين، ومدة محددة، وحدوداً متفقاً عليها، ومتابعة. واتفق مسبقاً على ما يوقف الاختبار قبل موعده.
التزم بالعمل بالنتائج. قبل فتح التحدي، قرر ما ستفعله الحكومة إن نجح حل: تشتريه، أو تعدّل نظاماً، أو تصدر دليلاً، أو تضع معياراً، أو تموّل التوسع. اكتب ذلك وأعلنه. هذا الالتزام وحده يرفع المشاركة أكثر من أي جائزة.
عُد إلى القطاع بما تعلمته. انشر الدروس، بما فيها ما لم ينجح وسببه. وخطة التواصل مع أصحاب المصلحة تُبقي المشاركين والقطاع الأوسع على اطلاع بين المراحل. واستخدم شجرة مؤشرات الأداء (KPI Tree) لربط النتيجة الرئيسية بما يستطيع كل طرف في القطاع التأثير فيه.
خطط للدورة التالية. التحديات القطاعية تبني الثقة مع الوقت. والدورة الثانية أسهل في التنفيذ، وتجذب مشاركين أقوى، إن غيّرت الأولى شيئاً ملموساً.
ما يُفعل وما يُتجنب
افعل
- اختر مشكلة يشعر بها القطاع أصلاً، لا مشكلة تراها الحكومة وحدها.
- ضع على الطاولة أداة حكومية حقيقية: بيانات، أو أنظمة، أو شراء، أو معايير.
- استمع إلى المنشآت الصغيرة والمستفيدين، لا إلى الشركات الكبرى وحدها.
- انشر القواعد والمعايير والمواعيد، والتزم بها.
- قرر مسبقاً ما ستفعله بالحل الذي ينجح.
- أعلن ما تعلمته، بما فيه الإخفاقات.
لا تفعل
- لا تبدأ بحفل إطلاق وقائمة طويلة من التحديات.
- لا تترك كبار اللاعبين يصممون التحدي وحدهم، فقد يفضّلون بقاء المشكلة بلا حل.
- لا تطلب من المشاركين مشاركة بيانات حساسة دون ضمانات واضحة.
- لا تجعل التحدي بديلاً عن إصلاح إجراءاتك أنت.
- لا تنفذ اختباراً دون حدود متفق عليها ومتابعة وقاعدة للإيقاف.
- لا تقس النجاح بعدد الطلبات، بل بما تغيّر في القطاع.
مثال توضيحي
توضيحي. أرادت جهة حكومية سعودية مسؤولة عن قطاع الغذاء أن تقلل هدر الطعام في المطاعم وقاعات المناسبات. وكان المطاعم ومورّدو الجملة والجمعيات الخيرية يقولون الشيء نفسه: الفائض يمكن التبرع به، لكن الغموض حول المسؤولية واشتراطات حفظ الطعام ونقله يمنعهم.
بدأت الجهة بمقابلة مزيج من سلاسل المطاعم والمطاعم المستقلة وقاعتي مناسبات ومورّدَين وجمعيات لحفظ النعمة والبلديات التي تتولى الرقابة. وأظهرت خريطة المنظومة أن العائق ليس النقل بل الثقة: لا أحد متأكد مما تسمح به الاشتراطات.
جاء التحدي بصيغة: "كيف يمكننا أن نجعل تبرع أي مطعم أو قاعة بفائض الطعام في اليوم نفسه أمراً سهلاً وآمناً؟" ووضعت الجهة ثلاثة أمور على الطاولة: توضيحاً مكتوباً لكيفية تطبيق الاشتراطات الحالية على التبرع في اليوم نفسه، وفترة اختبار مضبوطة في مدينتين مع فحوص سلامة متفق عليها، والتزاماً بإصدار دليل رسمي مبني على ما ينجح.
وصل أربعة عشر مقترحاً، من تطبيقات تربط المتبرعين بالجمعيات إلى حقائب بسيطة لتغليف الطعام وتوسيمه. اختُبرت خمسة لثلاثة أشهر. نجح اثنان بوضوح، وأثار واحد أسئلة تتعلق بالسلامة فأُوقف مبكراً وفق القاعدة المتفق عليها. ثم أصدرت الجهة دليلاً مستمداً من الاختبار، وأعلنت دورة ثانية عن فائض الأسواق الكبرى.
أسئلة يطرحها الناس
ما البيئة التجريبية التشريعية (الساندبوكس)؟ ترتيب مضبوط تسمح فيه الجهة التنظيمية للشركات باختبار منتجات أو أساليب جديدة مع مستفيدين حقيقيين، ضمن حدود متفق عليها ورقابة قريبة، وأحياناً مع توضيح أنظمة بعينها أو تعديلها لأغراض الاختبار. اشتهرت الفكرة في القطاع المالي ثم انتقلت إلى قطاعات أخرى.
ما الفرق بين التحدي القطاعي والهاكاثون؟ الهاكاثون فعالية تستمر يوماً أو بضعة أيام. أما التحدي القطاعي فبرنامج يمتد أشهراً، بمراحل واختبار في الواقع والتزام حكومي بالعمل بالنتائج. ويمكن أن يكون الهاكاثون إحدى مراحل التحدي القطاعي.
من يشارك في تحدي ابتكار حكومي؟ كل من يستطيع الإسهام في الحل وكل من يتأثر به: شركات كبيرة وصغيرة، وشركات ناشئة، وباحثون، وممثلو المستفيدين، وجهات حكومية أخرى. انشر شروط الأهلية، واحرص ألا تحابي العملية من يملكون موارد إعداد العروض فقط.
إلى أين بعد ذلك
ابدأ بـخريطة المنظومة وخريطة أصحاب المصلحة للقطاع، ثم اتفق على السبب بـشجرة المشكلة، واعرض المراحل على خريطة طريق. وللصورة الأوسع اقرأ ابتكار المنظومة، ولصيغة الفعالية اقرأ هاكاثون المنظومة.