ابتكار المنظومة: كيف تحل الجهات مشكلاتها المشتركة معاً
ما ابتكار المنظومة، ومتى تحتاج المشكلة إلى عدة جهات، وكيف تجمعها وتحوكم العمل وتجرّب حلاً مشتركاً له مالك فعلي بعد التجربة.

ابتكار المنظومة: كيف تحل الجهات مشكلاتها المشتركة معاً
ابتكار المنظومة (Ecosystem Innovation) هو ما تفعله حين تتجاوز المشكلة حدود عدة جهات ولا تستطيع أي منها حلها وحدها. بدلاً من أن تحسّن كل جهة جزءها، تتفق الأطراف على مشكلة واحدة مشتركة، وترسم كيف تجري فعلاً عبرها جميعاً، وتجرّب حلاً مشتركاً، وتحدد مسبقاً من سيملكه إن نجح. بدايته أبطأ من الابتكار داخل جهة واحدة وحوكمته أصعب بكثير، لكنه في مشكلات مثل انتقال مريض بين المستشفيات، أو عبور شحنة من الميناء، أو انتقال خريج إلى أول وظيفة، هو الطريق الوحيد الذي يصل إلى السبب الحقيقي.
يرسم هذا المقال الموضوع كاملاً: كيف تعرف أن مشكلتك مشكلة منظومة، والصيغ المختلفة لتعاون الجهات، وخطوات العمل المشترك، والحوكمة التي تبقيه حياً. ولكل صيغة مقال أعمق نحيلك إليه في موضعه.
متى تكون المشكلة مشكلة منظومة
ليست كل مشكلة فيها عدة أصحاب مصلحة تحتاج إلى عمل منظومة، وكثير منها لا يحتاجه. اسأل أربعة أسئلة:
- هل تنكسر تجربة المستفيد بين الجهات لا داخل إحداها؟ إن كان التأخير أو الخطأ يقع عند التسليم بين جهتين، فالإصلاح الداخلي ينقل المشكلة ولا يزيلها.
- هل البيانات اللازمة لفهم المشكلة موزعة على أكثر من جهة؟ إن لم تستطع جهة واحدة رؤية الرحلة كاملة، فلن تستطيع تشخيصها.
- هل يتطلب الحل تغييراً من جهتين على الأقل؟ نظام هنا، ونظام تقني هناك، وإجراء في مكان ثالث.
- هل جرّبت كل جهة إصلاح جزئها من قبل؟ هذا السؤال أهم مما يبدو. نادراً ما تلتزم الجهات بعمل مشترك قبل أن تصل إلى حدود ما تستطيعه وحدها.
إن أجبت بنعم عن ثلاثة أسئلة أو أربعة، فالأرجح أنها مشكلة منظومة. وإن أجبت بنعم عن واحد أو اثنين، فأدرها مشروعاً داخلياً وادعُ الآخرين مساهمين. معاملة مشكلة داخلية كأنها مشكلة منظومة طريقة شائعة لإضاعة سنة في اجتماعات التنسيق.
ارسمها قبل أن تقرر. خريطة المنظومة (Ecosystem Map) تُظهر من يتعامل مع المستفيد، ومن يملك البيانات، ومن يضع الأنظمة، ومن يدفع. وخريطة النظام (System Map) تذهب أبعد فتُظهر الحلقات: لماذا يؤدي إصلاح جزء إلى إفساد جزء آخر. تكتشف معظم المجموعات على الخريطة أن المشكلة تقع في فجوة لا يملكها أحد.
الصيغ التي يأخذها ابتكار المنظومة
يغطي المصطلح عدة ترتيبات مختلفة لا يغني أحدها عن الآخر. اختر بحسب ما تحتاجه من الآخرين:
- تحدٍّ تدعو إليه جهة جامعة. وزارة أو جهة تنظيمية أو هيئة قطاعية تجمع الأطراف حول مشكلة واحدة وتهيئ شروط حلها. هذه أصعب الصيغ وأوسعها أثراً. اقرأ كيف تجمع الوزارات والجهات التنظيمية قطاعاً حول تحدٍّ واحد.
- هاكاثون منظومة أو جام. عدة جهات تملك معاً فعالية محددة المدة على تحدٍّ مشترك. مفيد لتوليد خيارات بسرعة وبناء علاقات عمل. اقرأ هاكاثون المنظومة.
- العمل مع الشركات الناشئة. تقدّم أنت المشكلة وبيئة التجربة، وتقدّم الشركة الناشئة تقنية جاهزة وسرعة. اقرأ العمل مع الشركات الناشئة دون إضاعة وقتها أو وقتك.
- الشراكة مع الجامعات. تقدّم مشكلة حقيقية وإمكانية الوصول، وتقدّم الجامعة عمقاً بحثياً وطلاباً وأفقاً زمنياً لا تقدر عليه داخلياً. اقرأ الشراكة مع الجامعات في الابتكار.
- الابتكار المفتوح والإبداع المشترك والتعهيد الجماعي. ثلاث أفكار متقاربة عن مدى فتح الباب ولمن، وكثيراً ما يُخلط بينها. اقرأ الابتكار المفتوح أم الإبداع المشترك أم التعهيد الجماعي.
ومصطلح "الابتكار المفتوح" (Open Innovation) يعود إلى هنري تشيسبرو، الذي دعا في كتابه الصادر عام 2003 إلى أن تستفيد المؤسسات من الأفكار الخارجية بالقدر نفسه من التعمد الذي تستفيد به من أفكارها الداخلية. ابتكار المنظومة يذهب خطوة أبعد: المشكلة نفسها مشتركة، لا الأفكار فقط.
خطوات العمل المشترك
تختلف الصيغ، لكن التسلسل واحد. وكل خطوة تُتجاوز تعود لاحقاً في صورة تعثّر.
سمّوا جهة جامعة. لا بد من طرف يمسك القلم: يدعو إلى الاجتماعات، ويحفظ السجل، ويتابع الالتزامات. هي عادة الجهة الأكثر استفادة أو الأكثر شرعية في جمع الآخرين، وكثيراً ما تكون جهة حكومية أو هيئة قطاعية. الجهة الجامعة لا تملك الحل، بل تملك العملية. وقد سمّى جون كانيا ومارك كريمر هذا الدور في مقالهما عن "الأثر الجمعي" (Collective Impact) في مجلة Stanford Social Innovation Review عام 2011 "المنظمة الداعمة"، وعدّاه أحد خمسة شروط لنجاح العمل المشترك بين المنظمات.
اختاروا أقل عدد ممكن من الجهات المالكة. من خريطة المنظومة، حددوا الجهات التي لا يمكن لأي حل أن يعمل دونها. من ثلاث إلى خمس جهات عدد عملي، والبقية مساهمون: يُدعون ويُستشارون ويُبلَّغون، لكن دون حق النقض.
اتفقوا على مشكلة واحدة مكتوبة من جهة المستفيد. اجمعوا صاحب قرار من كل جهة مالكة في جلسة نصف يوم. ابنوا شجرة المشكلة (Problem Tree) على الرحلة المشتركة، ثم حوّلوها إلى سؤال كيف يمكننا (How Might We) واحد يسمّي مستفيداً ولحظة محددة. إن خرجتم بثلاث مشكلات فلديكم محفظة لا مشروع؛ اختاروا واحدة وأجّلوا الباقي.
- أظهروا مصلحة كل طرف صراحة. تدخل الجهات العمل المشترك لأسباب مختلفة: جهة تنظيمية تريد شواهد لتنظيم جديد، وشركة تريد سوقاً، وجامعة تريد بحثاً. المصالح الخفية تعود في صورة عرقلة. خريطة توقعات أصحاب المصلحة تضعها على الطاولة مبكراً حيث يمكن استيعابها.
اكتبوا اتفاقاً قصيراً. من صفحتين إلى أربع: المشكلة، ومساهمة كل طرف، وشروط البيانات، والملكية الفكرية، وصلاحيات القرار، وطريقة حل الخلاف، وكيف ينسحب من يريد. استخدموا مصفوفة المسؤوليات (RACI) لبيان من يعتمد ومن ينفّذ ومن يُبلَّغ. سيطلب القانونيون أكثر من ذلك؛ ادفعوا نحو نسخة أولى قصيرة مع موعد للمراجعة.
ابحثوا معاً. البحث المشترك هو المكان الذي تُبنى فيه الثقة. أرسلوا فرقاً مختلطة، شخصاً من كل جهة، لملاحظة الرحلة ومقابلة المستفيدين. اكتشاف أن "التأخير سببه نماذجنا لا نماذجهم" يقع وقعاً مختلفاً حين يكتشفه زميل من جهتك.
جرّبوا على نطاق صغير، في مكان واحد، ولكل تغيير مالك واحد. تفشل تجارب المنظومة حين يتوجب تغيير كل شيء دفعة واحدة. ابحثوا عن أصغر نسخة تختبر الفكرة المشتركة: حي واحد، أو منتج واحد، أو دفعة واحدة من المستفيدين. ولكل تغيير في التجربة مالك مسمّى في جهة واحدة.
قيسوا نتيجة مشتركة واحدة. لكل جهة مؤشراتها. اتفقوا على نتيجة واحدة تتابعونها جميعاً بالطريقة نفسها ومن جهة المستفيد: مدة الفسح، أو عدد الأيام من الإحالة إلى العلاج. وشجرة مؤشرات الأداء (KPI Tree) تربطها بمؤشرات كل جهة فلا يضطر أحد إلى التخلي عن مؤشراته.
حددوا من سيملك التوسع قبل انتهاء التجربة. هذه الخطوة التي تفوت معظم جهود المنظومة. التجربة الناجحة التي لا مالك دائماً لها تموت بصمت حين يتفرق فريق المشروع. اتفقوا مسبقاً: إن نجحت، من يشغّلها، ومن يموّلها، وأي نظام أو لائحة تحتاج إلى تغيير.
الحوكمة: ما يبقي العمل حياً بعد السنة الأولى
نادراً ما تفشل الجهود المشتركة بسبب الأفكار، بل بسبب الحوكمة. أربعة ترتيبات تصنع الفرق:
لجنة توجيهية من أصحاب قرار حقيقيين، تجتمع قليلاً. مرة كل ثلاثة أشهر تكفي. مهمتها رفع العوائق لا مراجعة العروض. إن لم يكن الحاضرون قادرين على إلزام جهاتهم، فلديكم منتدى تشاوري لا لجنة توجيهية.
فريق عمل يجتمع أسبوعياً. من ينفذون العمل فعلاً، واحد من كل جهة مالكة، برئاسة الجهة الجامعة. هنا يعيش العمل المشترك يوماً بيوم.
سجل مكتوب للقرارات. في المشروع الذي تملكه جهة واحدة يتذكر الناس. أما بين الجهات فالأشخاص يتغيرون، والقادم الجديد لم يكن في القاعة. احتفظوا بسجل قرارات تطّلع عليه كل جهة.
إيقاع للتواصل. كل جهة ترفع التقارير داخلها بطريقتها، فتتباعد الرسائل. خطة التواصل مع أصحاب المصلحة تحدد ما يُعلن، ومتى، وباسم من.
وابدؤوا بـتحليل الفشل المسبق (Premortem): "مضت ثمانية عشر شهراً وانهار هذا العمل. لماذا؟" الإجابات تكون عادة محددة وذات طابع مؤسسي: تغيّر مسؤول، أو انتقلت ميزانية، أو شعر شريك بأنه استُغل. سمّوها مبكراً وصمموا العمل بما يتقيها.
ما يُفعل وما يُتجنب
افعل
- تحقق من أنها مشكلة منظومة فعلاً قبل أن تدعو أحداً.
- اجعل عدد الجهات المالكة قليلاً وعدد المساهمين سخياً.
- اكتب مصلحة كل طرف، بما فيها مصلحة الجهة الجامعة.
- أرسل فرقاً مختلطة إلى الميدان معاً.
- اتفق على مؤشر نتيجة مشترك واحد من جهة المستفيد.
- سمِّ المالك الدائم قبل أن تبدأ التجربة.
لا تفعل
- لا تبدأ بحفل توقيع. مذكرة تفاهم بلا عمل خلفها ترسّخ نمط الإعلان بدل التنفيذ.
- لا تسمح لكل شريك بإضافة أولويته إلى التكليف. مشكلة واحدة لكل جهد.
- لا تخلط بين الجهة الجامعة والجهة المالكة. الجهة التي تجمع الأطراف ليست دائماً الأنسب لتشغيل الحل.
- لا تنتظر مشاركة بيانات مثالية. ابدأ بما تستطيع كل جهة فتحه الآن، وطوّر ذلك مع نمو الثقة.
- لا تقس النجاح بعدد الشركاء. قائمة قصيرة من الملتزمين خير من قائمة طويلة من الشعارات.
- لا تترك العمل حبيس فريق المشروع. إن لم تغيّر أي جهة شيئاً داخلها بحلول الشهر السادس، فالعمل في خطر.
مثال توضيحي
توضيحي. في إحدى المناطق السعودية، كان المرضى المحالون من مراكز الرعاية الأولية إلى المستشفيات التخصصية ينتظرون أسابيع بين الإحالة وأول موعد، وكثير منهم يعود إلى المركز دون أن يعرف أين وصلت إحالته. كل جهة كانت تحسّن جزءها: المراكز تسرّع إصدار الإحالة، والمستشفيات توسّع العيادات، وشركات التأمين تراجع الموافقات. ولم ترَ أي منها الرحلة كاملة.
أخذ التجمع الصحي في المنطقة دور الجهة الجامعة. وأظهرت جلسة رسم المنظومة، بحضور مستشفيين وثلاثة مراكز رعاية أولية وشركة تأمين، أن اللحظة الحرجة ليست الموعد نفسه، بل الأيام التي تقع فيها الإحالة بين نظامين لا يتبادلان الحالة، فلا يعرف أحد أن المريض ينتظر.
اتفقت الجهات المالكة على سؤال واحد: "كيف يمكننا أن يعرف كل مريض محال، خلال يومين، موعده أو سبب تأخره؟" ونزلت فرق مختلطة إلى المراكز والعيادات، فوجدت أن معظم التأخير سببه طلب مستندات تُعاد بعد وصول الإحالة.
شملت التجربة مركزاً واحداً وعيادة واحدة لمدة شهرين. غيّرت كل جهة أمراً واحداً: المركز أرفق المستندات المطلوبة مع الإحالة، والعيادة أرسلت رسالة للمريض عند الاستلام، وشركة التأمين اعتمدت قائمة موافقة مسبقة لعدد من الإحالات الشائعة. وكان المؤشر المشترك بسيطاً: نسبة المرضى الذين عرفوا موعدهم خلال يومين. وقبل انتهاء التجربة، اتفقت اللجنة التوجيهية على أن يحتضن التجمع الصحي دور التنسيق بشكل دائم.
أسئلة يطرحها الناس
ما الفرق بين منظومة الابتكار وابتكار المنظومة؟ منظومة الابتكار هي مجموعة الجهات في مكان أو قطاع التي تنتج الابتكار وتنشره: شركات وجامعات وجهات تمويل وجهات حكومية. أما ابتكار المنظومة فطريقة عمل: عدة جهات من هذه المنظومة تحل مشكلة واحدة معاً. قد تكون لديك منظومة ابتكار غنية دون أن يمارس أحد ابتكار المنظومة.
من يقود جهد ابتكار المنظومة؟ الجهة الجامعة هي عادة الطرف الأكثر شرعية في جمع الآخرين، وكثيراً ما تكون جهة حكومية أو هيئة قطاعية. قيادة العملية غير ملكية الحل. قرروا بشكل منفصل من سيشغّل الحل إن نجح.
كم يستغرق جهد ابتكار المنظومة؟ أطول من المشروع الداخلي. توقعوا شهرين إلى ثلاثة للاتفاق على المشكلة والشروط، ومن ثلاثة إلى ستة أشهر للبحث والتجربة، ثم مدة إضافية للترسيخ. الجهود التي تعد بنتائج خلال أسابيع تتجاوز عادة الاتفاق على الملكية، فتتعثر لاحقاً.
إلى أين بعد ذلك
ابدأ بـخريطة المنظومة وخريطة النظام لتتحقق من أن مشكلتك تعبر الجهات فعلاً. واستخدم خريطة توقعات أصحاب المصلحة لإظهار المصالح الخفية، ومصفوفة المسؤوليات للاتفاق على الأدوار. ثم تعمّق في الصيغة التي تناسبك: جمع قطاع حول تحدٍّ واحد، أو العمل مع الشركات الناشئة، أو الشراكة مع الجامعات، أو الاختيار بين الابتكار المفتوح والإبداع المشترك والتعهيد الجماعي.