الابتكار المفتوح أم الإبداع المشترك أم التعهيد الجماعي: أيها ومتى
مقارنة بين الابتكار المفتوح والإبداع المشترك والتعهيد الجماعي: معنى كل منها، ومن يشارك، ولمن النتيجة، وكيف تختار الأنسب لمشكلتك.

الابتكار المفتوح أم الإبداع المشترك أم التعهيد الجماعي: أيها ومتى
اختر التعهيد الجماعي (Crowdsourcing) حين تحتاج إلى إجابات كثيرة من أشخاص كثيرين عن سؤال محدد، وتستطيع أنت الحكم عليها. واختر الإبداع المشترك (Co-creation) حين يجب أن يصوغ مستخدمو الحل الحلَّ معك، في جلسات، وعلى مدى زمني. واختر الابتكار المفتوح (Open Innovation) حين يكون السؤال استراتيجياً: تريد أن تُدخل المعرفة والتقنيات والشركاء من الخارج في طريقة ابتكار جهتك ككل، لا لمشكلة واحدة. تتداخل الثلاثة، وأفضل البرامج تمزج بينها، لكن الخلط بينها يولّد الإخفاقات المعروفة: منصة أفكار تغرق في مقترحات لا يقرؤها أحد، أو ورشة "إبداع مشترك" لا يُطلب فيها من المستفيدين إلا التصويت.
يقارن هذا المقال بين الثلاثة. وللصورة الأوسع عن تعاون الجهات في المشكلات المشتركة اقرأ ابتكار المنظومة.
من أين جاءت المصطلحات
للمصطلحات أصول واضحة، ومعرفتها تساعدك على استخدام كل منها في موضعه.
- الابتكار المفتوح سمّاه هنري تشيسبرو في كتابه Open Innovation عام 2003. وحجته أن على المؤسسات أن تستفيد من الأفكار الخارجية ومن طرق الوصول الخارجية إلى السوق بالقدر نفسه من التعمد الذي تستفيد به من الداخلية، وأن تترك الأفكار الداخلية التي لن تستخدمها تخرج إلى غيرها. إنه موقف من منظومة الابتكار كلها، لا أداة بعينها.
- الإبداع المشترك بمعناه في عالم الأعمال اشتهر على يد سي. كيه. براهالاد وفينكات راماسوامي، لا سيما في كتابهما The Future of Competition عام 2004. وفكرتهما أن القيمة تُصنع بشكل متزايد مع العملاء لا تُسلَّم لهم فقط. وفي تصميم الخدمات تُستخدم الكلمة بمعنى أوسع: التصميم مع المستفيدين والموظفين لا من أجلهم.
- التعهيد الجماعي صاغه جيف هاو في مقال بمجلة Wired عام 2006 بعنوان "The Rise of Crowdsourcing"، ليصف إسناد مهمة كان يؤديها الموظفون إلى جمهور واسع غير محدد عبر دعوة مفتوحة.
المقارنة
| التعهيد الجماعي | الإبداع المشترك | الابتكار المفتوح | |
|---|---|---|---|
| الفكرة الأساسية | دعوة مفتوحة لمساهمات كثيرة | تصميم الحل مع المتأثرين به | إدخال المعرفة الخارجية في منظومة ابتكارك، وإخراج الأفكار الداخلية |
| النطاق | سؤال أو مهمة واحدة | منتج أو خدمة أو سياسة واحدة | الاستراتيجية والمحفظة والشراكات |
| من يشارك | أعداد كبيرة، كثيراً ما لا تعرفهم | مجموعة مختارة من المستفيدين أو الموظفين أو الشركاء | شركاء مختارون: شركات ناشئة، جامعات، موردون، جهات أخرى |
| عمق المساهمة | سطحية وكثيرة | عميقة وقليلة | متفاوت، وعميق غالباً |
| دورك | تحديد السؤال والحكم على الإجابات | التيسير والقرار المشترك | اختيار الشركاء وتحديد الشروط والدمج |
| الصيغة المعتادة | تحدي أفكار، مسابقة بجوائز، منصة أفكار | ورش عمل، جلسات تصميم، اختبار مشترك | شراكات، تراخيص، مشاريع مشتركة، برامج تحديات |
| من يقرر | أنت | مشترك، وأنت المالك النهائي | بالتفاوض بين الشركاء |
| الملكية الفكرية | تُحسم عادة في شروط الدعوة | بسيطة غالباً، والنتيجة لك | محورية وتخضع للتفاوض |
| الخطر الرئيسي | كثرة بلا متابعة | المشاركة الشكلية: المستفيد حاضر لكنه غير مسموع | شراكات لا مشروع داخلها |
متى يناسب التعهيد الجماعي
استخدمه حين يكون السؤال محدداً، والإجابة قد تأتي من أي أحد، وتستطيع تقييم المساهمات الكثيرة بإنصاف.
- تحتاج إلى أفكار كثيرة بسرعة: "كيف يمكننا تقليل استهلاك الورق في فروعنا؟"
- تظن أن الإجابة موجودة في مكان ما خارج شبكتك المعتادة.
- تستطيع وصف المشكلة دون معرفة داخلية.
- لديك القدرة على قراءة كل مساهمة وفرزها والرد عليها.
ما تفعله: اكتب سؤال كيف يمكننا (How Might We) دقيقاً، وانشر المعايير قبل فتح باب المشاركة، وخطط للتقييم. والتجميع بالتقارب (Affinity Grouping) يساعدك على تصنيف مئات الأفكار، ومصفوفة القرار الموزونة تساعدك على الاختصار. والأهم أن ترد على الناس. حملة الأفكار الداخلية التي لا تجيب المساهمين تعلّم الموظفين ألا يحاولوا مرة أخرى.
متى يناسب الإبداع المشترك
استخدمه حين يعرف المتأثرون ما لا تستطيع تعلّمه بطريقة أخرى، وحين لن ينجح الحل إلا إن شعروا بملكيته.
- إعادة تصميم خدمة مع من يستخدمونها ومن يقدّمونها.
- صياغة سياسة تغيّر طريقة عمل الناس.
- أي موقف يكون فيه القبول بأهمية الفكرة نفسها.
ما تفعله: اختر المشاركين عن قصد باستخدام خريطة أصحاب المصلحة (Stakeholder Map) والشخصيات (Personas)، لتمثل القاعة التنوع الحقيقي للمستفيدين. واستخدم صيغاً منظمة مثل استوديو التصميم (Design Studio) ليولّد المشاركون وينقدوا، لا ليتفاعلوا فقط. واختبر معهم أيضاً، ودوّن ما يقولونه بـشبكة التقاط الملاحظات (Feedback Capture Grid). ثم أخبرهم كيف غيّرت مساهمتهم النتيجة. فإن لم تغيّر شيئاً، كانت استشارة لا إبداعاً مشتركاً.
متى يناسب الابتكار المفتوح
استخدمه حين تقرر كيف تبتكر جهتك، لا كيف تحل مشكلة واحدة فقط.
- فريق البحث أو الابتكار الداخلي لا يستطيع تغطية كل مجال تعتمد عليه.
- تريد طريقة دائمة للعمل مع الشركات الناشئة أو الجامعات أو جهات أخرى.
- لديك أفكار أو تقنيات لن تستخدمها ويمكن أن تصنع قيمة في مكان آخر.
ما تفعله: قرر أي المشكلات ستفتحها وأيها ستبقيها داخلية، وأنشئ مسارات الدخول كبرامج التحديات والشراكات البحثية وتجارب الشركات الناشئة، وأصلح المسارات الداخلية التي تسمح بتبني العمل الخارجي، كالمشتريات والملكية الفكرية. واقرأ العمل مع الشركات الناشئة والشراكة مع الجامعات لأشيع مسارين.
المزج بينها
في الواقع، كثيراً ما تجتمع الثلاثة في برنامج واحد، بتسلسل شائع:
- الابتكار المفتوح يحدد الاستراتيجية. تقرر القيادة أن الجهة ستبحث في الخارج لعدد قليل من المشكلات ذات الأولوية.
- التعهيد الجماعي يوسّع المدخل. دعوة مفتوحة تجمع الأفكار والحلول من الموظفين أو الجمهور أو الشركات الناشئة.
- الإبداع المشترك يعمّق أفضلها. يعمل أصحاب الأفكار المختارة مع المستفيدين والموظفين ليصوغوا الفكرة في صورة تناسب الواقع.
- الابتكار المفتوح يعود لإبرام الاتفاق. شراكة أو تجربة أو ترخيص يحوّل النتيجة إلى شيء يعمل.
والخطأ أن تتوقف بعد الخطوة الثانية. الدعوة المفتوحة دون مرحلة إبداع مشترك تميل إلى اختيار الأفكار التي تبدو جيدة لا التي تناسب.
أخطاء شائعة
افعل
- سمِّ النموذج الذي تستخدمه، وأخبر المشاركين بما يعنيه لهم.
- طابق عمق المشاركة مع السؤال.
- انشر القواعد والمعايير وشروط الملكية الفكرية قبل فتح أي دعوة.
- أغلق الدائرة: أخبر كل مساهم بما حدث لفكرته.
لا تفعل
- لا تسمّه إبداعاً مشتركاً إن كان المستفيدون يصوّتون أو يعلّقون فقط.
- لا تطلق دعوة مفتوحة دون قدرة على تقييم ما يصل.
- لا توقّع شراكات ابتكار مفتوح بلا مشكلة محددة.
- لا تترك القرار لأعلى الأصوات بين المساهمين أو لأرفع الحاضرين منصباً في الورشة.
- لا تقس النجاح بعدد الأفكار أو المشاركين، بل بما تم تبنيه.
مثال توضيحي
توضيحي. أرادت أمانة إحدى المدن السعودية أن تجعل حدائق الأحياء أكثر استخداماً في المساء طوال العام. فمزجت بين الأساليب الثلاثة.
اتفقت القيادة أولاً على أن هذه مشكلة تستحق الانفتاح، وأن الأمانة ستعمل مع شركاء من الخارج بدل التصميم وحدها: وهذا قرار ابتكار مفتوح. ثم أطلقت دعوة عامة تسأل: "كيف يمكننا أن نجعل حديقة الحي المكان الذي تختاره الأسر لقضاء أمسياتها؟" وصلت مئات الأفكار، فجمّعها الموظفون في محاور واختصروها إلى ثماني أفكار وفق معايير منشورة.
ثم دعت الأمانة أصحاب الأفكار الثمانية، ومجموعة من السكان اختيروا ليمثلوا أحياء مختلفة، وموظفي الصيانة والتشغيل، إلى ثلاث جلسات إبداع مشترك. تغيّرت الأفكار كثيراً: تحوّل مقترح تمديد الإنارة إلى مقترح بأنشطة مسائية تديرها جمعيات الأحياء، لأن الموظفين شرحوا تكاليف التشغيل، ولأن الأسر قالت إنها تريد سبباً للحضور لا مكاناً مضاءً فقط.
وأخيراً انتقلت فكرتان إلى التجربة مع شركاء من الخارج: جمعية أهلية في أحد الأحياء، وفريق بحثي من جامعة محلية لقياس الاستخدام، باتفاقيات شراكة قصيرة.
أسئلة يطرحها الناس
هل التعهيد الجماعي نوع من الابتكار المفتوح؟ كثيراً ما يُعامل بوصفه إحدى أدواته. الابتكار المفتوح هو الموقف الأوسع القائم على الاستفادة من المعرفة الخارجية، والتعهيد الجماعي إحدى طرق الوصول إليها عبر دعوة مفتوحة لأعداد كبيرة.
ما الفرق بين الإبداع المشترك والتصميم المشترك؟ يُستخدمان بشكل شبه متبادل. يستخدم بعض الممارسين "التصميم المشترك" (Co-design) لمرحلة التصميم تحديداً، و"الإبداع المشترك" للعملية الأوسع بما فيها التنفيذ. والأهم أن يصوغ المشاركون النتيجة فعلاً.
هل يمكن تطبيق التعهيد الجماعي على موظفينا؟ نعم. حملات الأفكار الداخلية من أشيع صوره. وتنجح أكثر حين يكون السؤال محدداً، وطريقة الحكم على الأفكار منشورة، والوعد بالرد على كل مساهم محفوظاً.
إلى أين بعد ذلك
صغ سؤالك بـكيف يمكننا، واختر المشاركين بـخريطة أصحاب المصلحة، وأدر جلسات الإبداع المشترك بـاستوديو التصميم. وللصورة الأوسع اقرأ ابتكار المنظومة، وللدعوات المفتوحة على مستوى قطاع كامل اقرأ كيف تجمع الوزارات والجهات التنظيمية قطاعاً حول تحدٍّ واحد.